مع انتهاء شهر رمضان المبارك، يواجه الكثير من الناس تحديا حقيقيا حول كيفية عودة الجسم إلى روتينه الصحي بعد شهر من الصيام الطويل والتغييرات في مواعيد النوم والعادات الغذائية المختلفة، وكما توضح اختصاصية التغذية دانه عراجي، فإن الكثير من النساء يشعرن بارتباك حقيقي وأحيانا بالإرهاق أو زيادة الوزن المفاجئة.
تؤكد عراجي كاخصائية تغذية علاجية، أن العودة الصحيحة إلى الروتين الصحي بعد رمضان تتطلب تدرجا علميا ووعيا بالجسم، وليس حمية صارمة أو تقيدا مفاجئا، مبينة أن هذه المرحلة تحتاج خطة شاملة تجمع بين الغذاء والنشاط البدني والترطيب والنوم والصحة النفسية، مضيفة أنها ستقدم في هذا الدليل خطة متكاملة مدعومة بالأدلة العلمية تشمل نصائح عامة ونصائح مخصصة لمرضى السكري وأمثلة يومية ونصائح نفسية لتعزيز الالتزام بالعادات الصحية بعد رمضان.
أشارت عراجي إلى أنه لفهم كيفية العودة للروتين الصحي بعد رمضان، يجب فهم ما حدث للجسم خلال الشهر من تغير في حساسية الإنسولين، حيث ينخفض إفراز الإنسولين ويزداد اعتماد الجسم على الدهون كمصدر للطاقة، وعند الإفطار وخاصة مع الحلويات والمأكولات الغنية بالكربوهيدرات المكررة، يحدث ارتفاع سريع في سكر الدم يليه إفراز مرتفع للإنسولين، والنتيجة هي أن الجسم يصبح حساسا لأي تناول زائد بعد رمضان ما قد يؤدي إلى تخزين الدهون بسرعة.
وبينت أن اضطراب هرمونات الجوع والشبع وهما هرمونا الغريلين واللبتين يتأثران بمواعيد الأكل والنوم، وأن اضطراب هذه الهرمونات يؤدي إلى شعور مستمر بالجوع أو الإفراط في تناول الطعام بعد رمضان، لافتة إلى أن اختلال الساعة البيولوجية والنوم المتأخر والأكل الليلي يؤثر على إفراز الكورتيزول ومعدل الأيض وحساسية الإنسولين، وأن الدراسات تشير إلى أن إعادة ضبط النوم ووجبات الطعام يحتاج من 10 إلى 14 يوما.
كما أوضحت أن تغيير نمط الأكل يخفف من تنوع البكتيريا المفيدة في الأمعاء ما قد يسبب الانتفاخ والإمساك وضعف الهضم، وأن تنويع الأطعمة الغنية بالألياف والبروبيوتيك بعد رمضان يساعد على إعادة توازن الجهاز الهضمي.
وذكرت أنه يمكن تقسيم أول أربعة أسابيع بعد رمضان إلى مراحل، الأسبوع الأول يختص بإعادة التوازن الأساسي وإعادة ضبط مواعيد النوم والاستيقاظ تدريجيا وإدخال وجبة إفطار خفيفة وصحية وشرب من 2 إلى 2.5 لتر ماء يوميا وتقليل السكريات والعصائر الغازية، ونصحت بأنه من الأفضل بدء اليوم بكوب ماء فاتر مع عصير نصف ليمونة لبدء عملية الهضم وتنشيط الكلى.
وأضافت أن الأسبوع الثاني يتعلق بتحسين نوعية الغذاء ورفع البروتين إلى 1-1.2 غ لكل كغ من وزن الجسم وزيادة الألياف إلى 25-30 غ يوميا والتركيز على الكربوهيدرات المعقدة مثل الشوفان والحبوب الكاملة والبقوليات وزيادة الخضروات والفواكه الطازجة.
وبينت أن الأسبوع الثالث يركز على دعم الكتلة العضلية والنشاط البدني من خلال تمارين مقاومة خفيفة مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعيا وتوزيع البروتين على جميع الوجبات وإدخال أحماض أوميغا 3 من سمك ومكسرات وبذور، ونصحت بأنه حتى 15-20 دقيقة يوميا من تمارين الإطالة أو تمارين القوة البسيطة ترفع معدل الأيض بنسبة ملحوظة.
وأشارت إلى أن الأسبوع الرابع يختص بتقييم النتائج وتثبيت الروتين وقياس محيط الخصر والطاقة والنوم وليس فقط الوزن وضبط السعرات حسب الحاجة وقياس استجابة الجسم.
وفيما يتعلق بالتوصيات الغذائية العامة بعد رمضان، شددت على أهمية البروتين في كل وجبة لأنه يعزز الشعور بالشبع ويحافظ على الكتلة العضلية ويساعد في استقرار سكر الدم، ومن المصادر الجيدة للبروتين البيض والدجاج والسمك والبقوليات، والألياف التي تحسن الهضم وتقلل الانتفاخ وتدعم الميكروبيوم المعوي ومصادرها الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات.
كما نصحت بشرب الماء بانتظام لأنه يحافظ على وظائف الكلى ويقلل احتباس السوائل ويمنع الإرهاق واستهلاك 2-2.5 لتر يوميا مهم مع إدخال الخضروات والفواكه الغنية بالماء، وتوزيع الوجبات وتجنب تناول معظم السعرات في وقت واحد، ويفضل 3 وجبات رئيسية + 1-2 وجبة خفيفة، بالإضافة إلى الحركة والنشاط البدني من خلال المشي 20-30 دقيقة يوميا ثم تدريجيا تمارين مقاومة أو تمارين خفيفة لأن النشاط يحسن المزاج ويعزز معدل الأيض.
وفيما يتعلق بالجانب النفسي بعد رمضان، نصحت بالوعي بالفرق بين الجوع النفسي والحقيقي والتعامل مع الحلويات باعتدال دون شعور بالحرمان ومنح النفس وقتا للتكيف تدريجيا مع الروتين الغذائي والحفاظ على التوازن النفسي لأنه يقلل من الأكل العاطفي.
واقترحت عراجي نموذجا ليوم متوازن بعد رمضان يتضمن الإفطار المكون من بيضتين وخبز كامل الحبوب وخضار وكوب شاي بدون سكر، ووجبة خفيفة عبارة عن تفاحة وملعقة زبدة فول سوداني، والغداء صدر دجاج مشوي ونصف كوب أرز بني وسلطة كبيرة، ووجبة خفيفة زبادي يوناني ومكسرات، والعشاء شوربة خضار أو سلطة تونة، وشرب من 2 إلى 2.5 لتر من الماء يوميا.
وبالنسبة للنصائح المقدمة لمرضى السكري، بينت عراجي أن المرحلة بعد رمضان حرجة لمرضى السكري من النوع الأول والثاني، وأن التغييرات في مواعيد الطعام وجرعات الأدوية تحتاج عناية خاصة، مشددة على أهمية توزيع الكربوهيدرات على جميع الوجبات مع التركيز على مؤشر جلايسيمي منخفض ومراقبة سكر الدم يوميا خلال الأسبوعين الأولين وإدخال البروتين والألياف في جميع الوجبات وممارسة نشاط بدني خفيف بعد الوجبة بساعتين والسماح بحلويات صغيرة مرة أسبوعيا فقط وشرب 2-2.5 لتر ماء يوميا مع تقليل المشروبات المحلاة وقياس HbA1c بعد 8-12 أسبوعا لتقييم السيطرة على السكر.
وحذرت من أنه إذا عاد الجسم فجأة إلى الأكل الطبيعي دون تدرج، قد تظهر أعراض مثل اضطرابات هضمية وانتفاخ البطن والغازات وإمساك أو إسهال وحرقة المعدة وعسر الهضم وتقلبات سكر الدم وارتفاع أو انخفاض مفاجئ وشعور بالدوخة أو التعب ورغبة شديدة في السكريات وزيادة الوزن المفاجئة واحتباس السوائل وزيادة مؤقتة في الوزن بسبب الماء والجليكوجين وارتفاع الصوديوم والسكريات يسبب احتباس السوائل والشعور بالإرهاق والخمول نتيجة صدمة الجسم للكمية الكبيرة من الطعام والإفراط في الطعام الدسم يزيد الكسل وتقلبات المزاج وزيادة التوتر وتقلبات سكر الدم والكورتيزول تؤثر على الحالة المزاجية وصداع ودوخة بسبب الجفاف أو الإفراط في الكافيين والسكريات.
وقدمت نصيحة عملية بتناول وجبات صغيرة وشرب الماء والعودة التدريجية للنشاط البدني ومراقبة إشارات الجسم.
وأوضحت أن الصيام المتقطع يزيد معدل الأيض مؤقتا بسبب ارتفاع النورأدرينالين، والبروتين يحفز هرمونات الشبع GLP-1 ويحسن استقرار سكر الدم، وتوزيع السعرات على النهار يقلل تخزين الدهون، والإفراط في السكريات بعد رمضان يرفع الالتهابات منخفضة الدرجة المرتبطة بالسمنة.
وختمت عراجي بأن العودة التدريجية بعد رمضان تضمن استعادة التوازن الغذائي والجسدي والنفسي بشكل مستدام، وأن التركيز على البروتين والألياف والترطيب والنشاط البدني والنوم والوعي النفسي يحافظ على الصحة ويمنع الأعراض غير المرغوبة، مشددة على أن الصحة ليست مجرد رقم على الميزان بل شعور يومي بالطاقة والحيوية، وداعيا إلى منح النفس الوقت لاستعادة التوازن بعد رمضان بطريقة علمية وآمنة.







