بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن بدء عملية «خنق» الموانئ الإيرانية، تبرز تساؤلات حول كيفية تنفيذ البحرية الأميركية لحصار عسكري في ممر مائي ضيق ومزدحم. فالحصار ليس مجرد وجود سفن حربية، بل هو عملية تقنية وقانونية وعسكرية معقدة، تتحول إلى استراتيجية «خنق» تهدف إلى تغيير قواعد اللعبة في هذا الممر المائي الحساس.
تستند الولايات المتحدة في تنفيذ الحصار إلى قواعد قانونية دولية، حيث تمنح القوى البحرية في حالات النزاع حق «الزيارة والتفتيش»، وفق صحيفة «نيويورك تايمز». وبموجب هذا التفويض، لا تكتفي المدمرات الأميركية بالمراقبة عن بعد، بل تمتلك سلطة اعتراض أي سفينة تجارية، بغض النظر عن جنسيتها، وإلزامها بإيقاف المحركات لتفتيشها. هذه الآلية تمنح واشنطن اليد العليا في تقرير مصير الشحنات، إما بالسماح بالعبور أو الحجز والتحويل إلى موانئ محايدة إذا ثبت وجود ارتباطات تجارية بالموانئ الإيرانية المحظورة.
وفي هذا السياق، يرى جيمس كراسكا، أستاذ القانون البحري الدولي في كلية الحرب البحرية الأميركية، أن الحصار قد يلحق ضررا اقتصاديا فادحا بإيران، ويضعف قدرتها على تمويل عملياتها العسكرية. لكن كراسكا حذر من «مأزق» قد يواجه الدول التي تعتمد على النفط الإيراني، مشيرا إلى مخاطر ميدانية مثل الألغام البحرية وقدرة طهران على الرد عبر الصواريخ والطائرات المسيرة.
على الصعيد العملي، تسعى القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) لتطبيق حصار «انتقائي» يفرز حركة الملاحة التي تتجاوز 150 سفينة يوميا في الحالات الطبيعية. وتتضمن الخطة العسكرية السماح للسفن المتجهة من وإلى موانئ غير إيرانية بالمرور بحرية، شرط خضوعها لإجراءات التحقق.
ومع ذلك، فإن الطبيعة الجغرافية للمضيق تجعل من هذا الفصل مهمة شبه مستحيلة، وفق الصحيفة الأميركية. إذ تضطر الناقلات الضخمة للمرور في ممرات ملاحية ضيقة للغاية، مما يضع القطع البحرية الأميركية في تماس مباشر وقريب جدا من بطاريات الصواريخ والزوارق السريعة الإيرانية، ويزيد من احتمالات الاحتكاك العسكري غير المقصود.
يمثل هذا الحصار تحولا كبيرا في السياسة الأميركية، فبينما كانت واشنطن تشن هجمات على أهداف إيرانية، حرص المسؤولون سابقا على ضمان تدفق النفط لتجنب اشتعال أسعار الطاقة العالمية. وكان وزير الخزانة، سكوت بيسنت، قد أكد في وقت سابق أن واشنطن سمحت لبعض الناقلات بالعبور للحفاظ على استقرار الإمدادات. لكن الحصار الحالي يغلق هذا «المتنفس» تماما، ويهدف بشكل مباشر إلى شل حركة السفن الإيرانية ومنعها من استغلال المضيق.
أحد أعقد التحديات التي تواجه الحصار هو ما يعرف بـ«تزييف الهوية الرقمية». وتؤكد شركات تتبع السفن مثل «تانكر تراكرز» أن الناقلات المرتبطة بطهران تتبع تكتيكات متطورة لإرسال إشارات كاذبة تظهرها وكأنها راسية في موانئ دول مجاورة، بينما هي في الواقع تقوم بتحميل الخام من المحطات الإيرانية.
ولمواجهة هذا التسلل الرقمي، تعتمد واشنطن على «التحقق المزدوج» عبر مطابقة صور الأقمار الاصطناعية اللحظية مع البيانات الصادرة عن السفن. مما يحول المضيق إلى ساحة حرب استخباراتية ومعلوماتية مفتوحة، حيث يصبح الرصد البصري والمادي هو الفيصل الوحيد للتأكد من هوية السفن ووجهاتها الحقيقية.
وقد رحب الأدميرال المتقاعد في البحرية الأميركية، جيمس ستافريديس، بإعلان الحصار في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الأحد، وأضاف أن الولايات المتحدة وحلفاءها «ليسوا أسوأ حالا مما كانوا عليه بعد أن بدأ الإيرانيون باحتجاز المضيق رهينة».







