الحرب في إيران تكشف عن تداعياتها الاقتصادية التي تتجاوز الخسائر المادية الظاهرة، حيث تمتد لتشمل قدرة الدولة على حماية المراكز الاقتصادية الحيوية، حسبما ذكرت مصادر مطلعة. وأوضحت المصادر أن هذه المراكز تشمل تلك التي تدير المال، وتصنع السلع، وتؤمن الطاقة، وتفتح طرق التجارة، مبينة أن بعض المحافظات تكتسب أهمية خاصة باعتبارها عقدًا اقتصادية متخصصة.
فطهران تتميز بدورها في اتخاذ القرارات وإدارة الشؤون المالية، بينما تبرز أصفهان في الصناعات الثقيلة، وتشتهر خوزستان بإنتاج النفط والبتروكيماويات، وتعتبر بوشهر مركزًا لإنتاج الغاز، وتتميز هرمزغان بموانئها وأهميتها في العبور البحري، وفقًا لما بينته المصادر.
وأضافت المصادر أنه في حال حدوث أي خلل في هذه المفاصل الاقتصادية، فإن التأثيرات لن تقتصر على المستوى المحلي، بل ستمتد لتشمل الشبكة الاقتصادية بأكملها.
يتركز في طهران الثقل الاقتصادي الذي يجعل أي اضطراب فيها يتجاوز كونه مجرد خلل في العاصمة، حسبما أفادت مصادر اقتصادية. وأشارت المصادر إلى أن نحو 11% من سكان إيران يعيشون في طهران، وأن حوالي 25% من الناتج المحلي الإجمالي الإيراني مرتبط بها.
وبينت المصادر نقلا عن محافظة طهران أن 70% من الدوران المالي و25% من الصناعة يتركزان في المحافظة، مما يجعلها ليست فقط مقر الوزارات والهيئات الحكومية، بل أيضا مركز إدارة السوق والتمويل والخدمات.
وأوضحت المصادر أن الضغط على العاصمة لا يؤثر فقط على القرار السياسي، بل يمتد ليشمل حركة الأعمال والسيولة وسوق الاستهلاك وثقة الفاعلين الاقتصاديين.
تتميز أصفهان بوظيفتها المتمثلة في الإنتاج الصناعي الثقيل، حسبما ذكرت تقارير اقتصادية. وأضافت التقارير أن مجموعة فولاذ مباركة تلعب دورًا أساسيًا في إنتاج الصلب والمنتجات المرتبطة به، وتتولى نحو ثلث إنتاج فولاذ البلاد، حيث تبلغ طاقتها الإنتاجية الحالية 11.1 مليون طن.
وأكدت التقارير أن حساسية أصفهان تكمن في تمركز حلقة إنتاج رئيسية تتصل بالبناء والصناعات التحويلية والبنية التحتية والطاقة، مشيرة إلى أن أي تعطل واسع في هذا المركز سيؤثر على سلاسل التوريد وكلفة المواد والمدخلات في قطاعات أوسع.
تعتبر خوزستان مركزًا لإنتاج النفط، حيث تتولى شركة مناطق النفط الجنوبية إنتاج ومعالجة 80% من النفط الخام و16% من الغاز في البلاد، حسبما أفادت وكالة شانا التابعة لوزارة النفط الإيرانية.
وأوضحت شانا أن خوزستان تعد أكبر قطب لإنتاج النفط والطاقة في إيران، وأن المنطقة الاقتصادية الخاصة للبتروكيماويات في جنوب غرب خوزستان هي أول قطب بتروكيميائي في البلاد، وتضم أكثر من 22 مجمعًا كبيرًا وتتصدر الصادرات غير النفطية.
وأضافت شانا أن خوزستان تضم أيضًا شركة فولاذ خوزستان، التي تعد ثاني أكبر منتج للصلب الخام في إيران، مما يزيد من أهمية المحافظة الصناعية.
وذكرت الوكالة أن أي هزة واسعة في خوزستان ومحيطها النفطي ستؤدي إلى اضطراب في الطاقة وضغط على الصادرات والعملات الصعبة والإيرادات العامة.
تعتبر بوشهر مركزًا لإنتاج الغاز، حيث يضم حقل فارس الجنوبي 8% من احتياطيات الغاز في العالم و50% من احتياطيات الغاز الإيرانية، حسبما ذكرت شركة النفط والغاز فارس. وأضافت الشركة أن 70% من الغاز المنتج في البلاد يأتي من هذا الحقل، وأنها سجلت أعلى رقم يومي لإنتاج الغاز الغني من المنشآت البحرية في فارس الجنوبي عند 711 مليون متر مكعب في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
وأكدت الشركة أن الغاز في إيران ليس سلعة تصديرية فقط، بل هو عنصر أساسي في تشغيل الكهرباء والصناعة والاستهلاك المنزلي، وأن أي تعطل واسع في هذه المحافظة سيؤثر مباشرة على أمن الطاقة الداخلي.
تعتبر هرمزغان منفذًا للاقتصاد الإيراني إلى الخارج، حيث يعد ميناء الشهيد رجائي أهم ميناء تجاري في البلاد، حسبما أفادت معطيات منشورة في مانا، المنصة الإيرانية المتخصصة في أخبار الموانئ والنقل البحري. وأوضحت مانا أن الميناء يتولى أكثر من 55% من الصادرات والواردات و70% من الترانزيت في الموانئ الإيرانية، إضافة إلى أكثر من 85% من حركة الحاويات.
وبينت مانا أن أي اضطراب واسع في هرمزغان سيؤدي إلى خلل في الواردات والصادرات وتأخر في تدفق السلع وارتفاع في كلفة النقل والإمداد، مما سينعكس سريعا على السوق الداخلية.
بذلك، فإن تأثير الحرب في إيران لا يقتصر على مكان الضربة، بل يمتد ليشمل الوظيفة التي أصابها الضغط، حسبما أظهرت التحليلات الاقتصادية. وأضافت التحليلات أنه إذا ارتبكت طهران، فسيهتز القرار والمال والخدمات، وإذا تعطلت أصفهان، فسيتباطأ الإنتاج الصناعي، وإذا اضطربت خوزستان، فسيضيق هامش النفط والبتروكيماويات والإيراد، وإذا تأثرت بوشهر، فسيتعرض الغاز وأمن الطاقة للضغط، وإذا اختنقت هرمزغان، فسترتبك التجارة.
وخلصت التحليلات إلى أن الحرب ليست مجرد استهداف جغرافي، بل هي امتحان لقدرة الاقتصاد الإيراني على حماية مفاصله المتخصصة.







