لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المسال، ما يمنحها نفوذا متناميا خصوصا في أوقات الأزمات، هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأميركية.
قال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا، فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قدم ذلك بوصفه تداولا ذكيا، وكان كذلك بالفعل، إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولارا لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولارا، وقد كان هامش الربح كبيرا للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.
أضاف دميتريينكو أن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها، فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقودا ضخمة للغاز الطبيعي المسال عالميا، ثم تعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.
بين دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعليا تمثل فائض إعادة البيع، وحاليا تبدو هذه الفجوة محدودة في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب، وبحلول 2035 وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2» فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاما هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المسال.
أوضح دميتريينكو أنه قبل 28 فبراير، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.
أشار دميتريينكو إلى أنه عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق، إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق، كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مسيرة.
في السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.
كانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المسال الجزء الأكثر وضوحا في المشهد، ففي مارس وحده أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر، وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.
يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة التي تصور الصين بوصفها منافسا للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المسال تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية، في المقابل لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.
بالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين حسب دميتريينكو لا تخوض هذه المنافسة أصلا، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.
بين دميتريينكو أن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.
تبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا، ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.
الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي، فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المسال من مصادر أخرى، وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المسال بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.
مع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحرا يتراجع تدريجيا، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المسال للارتفاع.
تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة، وفي حين تستطيع قطر بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها تحمل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.
الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي، فعندما أغلق مضيق هرمز كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضا من الغاز يمكن طرحه في السوق، ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ، كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حادا، وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم يمر عبرنا الآن.
ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو خصوصا منتجي الغاز الطبيعي المسال الأميركيين هو أن التوقيت يبدو قاسيا، فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقا.
قد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي وفي مقدمته الطلب الصيني سيواصل نموه، وقد يتحقق ذلك جزئيا، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عمليا تراجعا مماثلا في الطلب على الغاز الطبيعي المسال في السوق القابلة للاستهداف.
إذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.
أما بالنسبة لليابان فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته، إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، وعندما أغلق المضيق وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها وربما تضمنت غازا روسيا، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنبه.
تواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة، فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية، والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضا أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.
يخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاما وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب ومحطات الغاز الطبيعي المسال والعقود طويلة الأجل إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية، وعليه لم تكن حرب إيران سببا في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي، وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود فإن هذا الإدراك جاء متأخرا أكثر مما ينبغي.

