في وقت تحافظ فيه اقتصادات الخليج على مستويات مرتفعة من السيولة والقدرة على امتصاص الصدمات. قال خبراء إن ملف الديون المتعثرة وإعادة الهيكلة يعد من المؤشرات الدقيقة على متانة النظام المالي. وأوضحوا أن قدرة السوق على التكيّف مع المتغيرات العالمية تظل أساسية. بينما لا تزال نسب التعثر عند مستويات محدودة تاريخياً، تفرض بيئة أسعار الفائدة المرتفعة وضغوط تنفيذ المشاريع الكبرى، واقعاً جديداً يدفع الشركات والمقرضين للبحث عن حلول أكثر مرونة وانتقائية.
وفرة السيولة
قال كيرت ديفيس، المدير الإداري ورئيس قسم استشارات الديون لدى "ألفاريز آند مارسال، إن الوضع المالي المتعثر في منطقة الخليج العربي لا يزال دون المستويات الحادة. وأشار إلى أن وفرة السيولة في الأسواق تتيح حلولاً بديلة للعديد من التحديات من خلال إعادة التمويل ودعم المساهمين وبيع الأصول. موضحا أن هذا الواقع أسهم في احتواء الضغوط ومنع انتقالها إلى موجات تعثر واسعة النطاق.
وعلى مستوى السعودية، أشار ديفيس إلى ظهور بعض مؤشرات التعثر، لا سيما في قطاعات العقارات والإنشاءات. وأضاف أن الشركات المتوسطة ذات المديونية المرتفعة تعاني أيضاً، معتبراً أن عوامل مثل ضعف الطلب في بعض الأنشطة وارتفاع أسعار الفائدة تمثل أسباباً جوهرية لهذا الوضع.
وبالنظر إلى المرحلة المقبلة، يتوقع ديفيس استمرار اللجوء إلى حلول مرنة لإدارة الضغوط المالية. وأوضح أن ذلك يشمل تعديل شروط القروض وتمديد مواعيد استحقاقها وزيادة عمليات تحويل الأصول إلى سيولة. كما أكد أن إجراءات إعادة الهيكلة تحت إشراف القضاء ستبقى ضمن نطاق ضيق ومحصورة بالحالات التي تستدعي ذلك.
إعادة الهيكلة
أما عن تطور نهج الجهات المقرضة في دول الخليج خلال العامين الماضيين، فقد أشار ديفيس إلى أن التعامل مع الديون المتعثرة بات أكثر انتقائية وتنظيماً. وأوضح أن عمليات إعادة الهيكلة والإجراءات الخاصة ستستمر حتى عام 2026 ولكن ضمن إطار محدود. ويرتبط هذا التوجه بعدة عوامل رئيسية، أبرزها استمرار ارتفاع أسعار الفائدة لفترات أطول.
وأضاف ديفيس أن آليات الدعم المقدمة من الحكومات والبنوك تلعب دوراً محورياً في ضبط وتيرة هذه الأنشطة. كما أشار إلى تأثير معدلات تحويل الأصول إلى سيولة سواء عبر بيع الأصول غير الأساسية أو حتى الأساسية، مما يساهم في استقرار السوق.
وفيما يتعلق بالتحديات التي تواجه الشركات عند الدخول في مسارات إعادة الهيكلة، أوضح ديفيس أن نقص السيولة وندرة خيارات إعادة التمويل تعد من أبرز تلك التحديات. وأكد أن هذه المصاعب تزداد مع وجود ثغرات في البيانات أو عدم جاهزية أنظمة الحوكمة.
البنية التشغيلية
من جانبه، أكد بول غيلبرت، رئيس قسم إعادة الهيكلة والرئيس المشارك لدى “ألفاريز آند مارسال”، أن السوق تضم عدداً كبيراً من الشركات المثقلة بالديون التي تحتاج إلى عمليات إعادة هيكلة مالية. وبيّن أن الشركات قد تُجبر على اتخاذ خطوات عملية لمعالجة أوضاعها المالية نتيجة أحداث طارئة.
وأضاف غيلبرت أن الحاجة لا تقتصر على إعادة الهيكلة المالية فقط، بل تمتد إلى إعادة النظر في البنية التشغيلية للشركات. وأوضح أن هذا المسار يجب أن يُنظر إليه كفرصة لتعزيز الأداء وتحسين الكفاءة، وهو نهج ينطبق على الشركات المزدهرة وتلك التي تواجه تحديات مالية.
وفي سياق تنفيذ برامج تنموية واستثمارية طموحة، يبقى ملف إعادة الهيكلة مؤشراً مهماً على قدرة الشركات على التكيّف مع التحولات. وأكد الخبراء على أهمية نضج الأطر التنظيمية والتمويلية في المنطقة.
"الشرق الأوسط"







