في تطور وُصف بغير المسبوق. كشفت تقارير صحفية أميركية عن تحقيق أولي واستدعاءات قانونية تتعلق برئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي جيروم باول. على خلفية شهادته أمام الكونغرس بشأن مشروع تجديد مقر الاحتياطي الفدرالي في واشنطن. الذي تُقدّر كلفته بنحو 2.5 مليار دولار. وما إذا كان قد قدّم معلومات غير دقيقة حول المشروع.
ووفقا لصحيفة نيويورك تايمز. تلقى باول مذكرات استدعاء للتحقق من دقة إفاداته أمام لجنة البنوك في مجلس الشيوخ خلال يونيو/حزيران الماضي. وفي رسالة مصورة نادرة. أقرّ باول بأن وزارة العدل وجّهت إلى البنك المركزي مذكرات استدعاء صادرة عن هيئة محلفين كبرى قبل أيام. واصفا التحقيق بأنه "غير مسبوق". ومؤكدا أنه أدى مهامه "من دون خوف أو محاباة سياسية".
وحذّر باول من أن التحقيق قد يفتح معركة أوسع تتعلّق باستقلالية البنك المركزي. معتبرا أن التهديد بتوجيه اتهامات جنائية يرتبط برفض الاحتياطي الفدرالي اتباع التفضيلات السياسية في تحديد أسعار الفائدة. ورغم أن توجيه اتهامات جنائية لم يُحسم بعد. فإن مجرد طرح هذا الاحتمال يُعد تطورا استثنائيا في تاريخ الاحتياطي الفدرالي. ويُعيد إلى الواجهة تاريخا طويلا من الصدامات بين الرؤساء الأميركيين والبنك المركزي حول استقلال السياسة النقدية.
انتقادات ترامب لجيروم باول
تصاعد الخلاف بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الفدرالي الأميركي. ولطالما انتقد باول داعيا أكثر من مرة لإقالته. وقال إن إعلانه عن مرشحه لرئاسة الاحتياطي الفدرالي قد يتأخر إلى بداية هذا العام.
وتنتهي فترة باول رئيسا في نهاية مايو/أيار المقبل. لكنه يستطيع البقاء في مجلس المحافظين لعامين إضافيين. وكان ترامب قد عبر عن رأيه في باول في 22 يوليو/تموز الماضي. قائلا إنه "قام بعمل سيئ" وأطلق عليه لقب "المتأخر دائما". مؤكدا أن باول كان ينبغي عليه خفض أسعار الفائدة مرات عديدة.
وأشار إلى أن أوروبا خفضت أسعار الفائدة 10 مرات بينما لم تخفضها الولايات المتحدة ولا مرة واحدة.
تاريخ الصراعات بين الرؤساء والفدرالي
في هذا التقرير. تستعرض الجزيرة نت أبرز 5 معارك بين رؤساء الولايات المتحدة ورؤساء مجلس الاحتياطي الفدرالي. شكّلت محطات مفصلية في العلاقة بين السياسة والمال في أكبر اقتصاد في العالم. عُيّن مارينر إيكلز رئيسا لمجلس الاحتياطي الفدرالي في نوفمبر/تشرين الثاني 1934. واستقال من منصبه عام 1948. لكنه بقي عضوا في المجلس حتى يوليو/تموز 1951.
وخلال الحرب العالمية الثانية. التزم الاحتياطي الفدرالي بالحفاظ على أسعار فائدة منخفضة على السندات الحكومية لتمكين الحكومة الأميركية من تمويل نفقات الحرب بتكلفة أقل. ما قيّد في المقابل قدرة البنك المركزي على التحكّم بالسياسة النقدية. واستمرت هذه السياسة طوال أربعينيات القرن الماضي. وأسهمت في تصاعد الضغوط التضخمية مع اندلاع الحرب الكورية عام 1950.
عندها سعى الاحتياطي الفدرالي إلى إنهاء سياسة تثبيت الفائدة للحد من التضخم واستعادة أدواته النقدية. وبلغ الخلاف ذروته عام 1951 حين صرّح الرئيس هاري ترومان. خلافا للواقع. بأن لجنة السوق المفتوحة وافقت على مواصلة تثبيت أسعار الفائدة. ما دفع إيكلز إلى نشر محاضر الاجتماعات التي أثبتت عكس ذلك.
مواجهة ترومان ومارينر إيكلز (1951)
وأفضت هذه المواجهة إلى اتفاقية وزارة الخزانة والاحتياطي الفدرالي في مارس/آذار 1951. التي أنهت التزام الفدرالي بتثبيت أسعار الفائدة ومنحته استقلالا حاسما في رسم السياسات النقدية. لتُعد نقطة تحول مفصلية في تاريخ البنك المركزي الأميركي.
نادرا ما شهدت استقلالية الاحتياطي الفدرالي تحديا دراميا بحجم ما حدث في الخامس من ديسمبر/كانون الأول 1965. حين التقى الرئيس ليندون جونسون برئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي ويليام مكشيسني مارتن في مزرعته بتكساس. كان جونسون غاضبا من قرار مارتن تشديد الائتمان ورفع سعر الخصم. رغم تفضيله سياسة نقدية أكثر تيسيرا.
وفي إحدى اللحظات. بدأ الرئيس الأميركي يدفع رئيس الاحتياطي الفدرالي في أرجاء الغرفة. قائلا عبارته الشهيرة: "مارتن. جنودي يموتون في فيتنام. وأنت ترفض طباعة النقود التي أحتاجها".
مواجهة جونسون وويليام مارتن (1965)
وقاوم مارتن هذه الضغوط في البداية. متمسكا باستقلالية السياسة النقدية. وفق مصادر رسمية مثل بنك الاحتياطي الفدرالي في ريتشموند. غير أن هذه المقاومة لم تستمر طويلا. إذ تشير مصادر أخرى إلى أن السياسة النقدية اتجهت لاحقا نحو ما طلبه البيت الأبيض. وبعد سنوات. عبّر مارتن عن ندمه قائلا: "يا لخجلي الأبدي. لقد استسلمت له في النهاية".
في أوائل سبعينيات القرن الماضي. واجه الاقتصاد الأميركي ضغوطا معقدة تمثلت في أعباء حرب فيتنام وارتفاع البطالة إلى نحو 6%. وبالنسبة للرئيس ريتشارد نيكسون. الذي كان يستعد لانتخابات 1972. شكّلت هذه الأوضاع خطرا سياسيا مباشرا.
مارس نيكسون ضغوطا علنية على الاحتياطي الفدرالي لخفض أسعار الفائدة بهدف تحفيز الاقتصاد. وهو ما كشفت عنه لاحقا تسجيلات البيت الأبيض. وفق منصة "آي إف إي أناليتيكس".
مواجهة نيكسون وآرثر بيرنز (1971-1972)
كان رئيس الفدرالي آنذاك آرثر بيرنز. المعيَّن من قِبل نيكسون وصديقه القديم. في موقف بالغ الحساسية. قاوم بيرنز الضغوط في البداية. لكنه في خريف 1971 تبنى سياسة نقدية توسعية. وقد أسهمت هذه السياسة في انتعاش اقتصادي قصير الأجل وفوز نيكسون بولاية ثانية. لكنها مهدت لأزمة تضخم كبرى. إذ تجاوز التضخم 11% بنهاية السبعينيات. ليصبح ذلك مثالا تاريخيا صارخا على كلفة إخضاع السياسة النقدية للمصالح السياسية قصيرة المدى.
في أغسطس/آب 1979. عيّن الرئيس جيمي كارتر بول فولكر رئيسا لمجلس الاحتياطي الفدرالي في ظل تدهور الثقة بالدولار. وبقيادة فولكر. تبنى الاحتياطي الفدرالي سياسة نقدية شديدة. رفعت أسعار الفائدة إلى مستوى قياسي قارب 20% أواخر 1980. بينما عُرف لاحقا بـ"صدمة فولكر".
أدت هذه السياسة إلى ركود عميق وارتفاع البطالة وإغلاق العديد من المصانع. ما أثار احتجاجات واسعة وضغوطا سياسية كبيرة داخل إدارة كارتر. ومع ذلك. لم يتراجع فولكر عن نهجه. الذي نجح في كبح التضخم ووضع أسس استقرار الأسعار على المدى الطويل. رغم كلفته الاقتصادية والاجتماعية. وساهم سياسيا في خسارة كارتر انتخابات 1980.
مواجهة كارتر وبول فولكر (1979-1981)
في مطلع تسعينيات القرن الماضي. نشأ خلاف بين الرئيس جورج بوش الأب ورئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي ألان غرينسبان حول وتيرة التعافي الاقتصادي بعد ركود 1990-1991. رأى بوش أن التعافي بطيء في عام انتخابي حاسم. واتهم الفدرالي بالتباطؤ في خفض الفائدة. وفق صحيفة لوس أنجلوس تايمز.
في المقابل. تمسك غرينسبان بنهج حذر. محذرا من أن التيسير السريع قد يعيد إشعال التضخم ويقوض مصداقية السياسة النقدية. ورغم خفض أسعار الفائدة. جاءت الوتيرة أبطأ مما طالب به البيت الأبيض. واستمر التعافي اقتصاديا. لكنه بدا ضعيفا في نظر الناخبين. ما أسهم في خسارة بوش انتخابات 1992. بينما خرج الاحتياطي الفدرالي من المواجهة محافظا على استقلاله.







