أثار مقترح "المقايضة الكبرى" الذي طرحه رجل الأعمال المصري حسن هيكل حلاً محتملاً لتخفيف أعباء الدين الداخلي جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية. وأوضح هيكل أن هذا الطرح يواجه معارضة شديدة من خبراء ومصرفيين حذروا من تداعياته على استقلالية البنك المركزي ومن تعريض ودائع المواطنين للخطر.
فيما يتصاعد النقاش حول المبادرة في الفضائيات والمؤتمرات الأكاديمية، لا تزال الحكومة تلتزم الصمت حيال هذا الطرح المثير للجدل. وبين هيكل أن فكرة المقترح تتلخص في نقل جزء من ديون الدولة من وزارة المالية إلى البنك المركزي، مقابل نقل ملكية أصول حكومية استراتيجية - وفي مقدمتها هيئة قناة السويس - إلى ميزانية "المركزي".
وفقاً لرؤية هيكل، تهدف هذه المقايضة إلى تصفير أعباء الدين في الموازنة العامة، ما يتيح للدولة توجيه الموارد المالية نحو قطاعات حيوية كالتعليم والصحة. كما أضاف أنه يقترح تطبيق الفكرة تدريجياً لتقييم أثرها.
الآثار المحتملة للمقترح على الاقتصاد المصري
ووفق التقديرات الأولية، يتوقع أن تسهم هذه المقايضة في خفض كبير في مدفوعات الفوائد، ما يوفر مئات المليارات، قد تصل إلى 8 تريليونات جنيه (168.8 مليار دولار). وكشفت وزارة التخطيط المصرية عن أن الدين الخارجي شهد قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو الماضي.
في حين ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار). وشرح هيكل الطرح باستفاضة خلال حلقة تلفزيونية، واستعرضه في اليوم نفسه أمام "المنتدى الاقتصادي" لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة.
في تصريح خاص، اكتفى المستشار محمد الحمصاني، المتحدث باسم مجلس الوزراء، بالإشارة إلى أن "أي إجراءات تتعلق بالدين سيتم الإعلان عنها في حينه". ورغم تأكيدات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي على وجود توجيهات صارمة بخفض عبء المديونية على الموازنة العامة، إلا أن النقاش حول المقترح لا يزال مستمراً.
معارضة شديدة من خبراء الاقتصاد والمصرفيين
واجه المقترح هجوماً حاداً من خبراء الاقتصاد الذين رأوا فيه تهديداً لجوهر العمل المصرفي. وحذر الباحث والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، من أن تحويل البنك المركزي إلى جهة تدير الأصول أو تعمل كمطور عقاري يخالف طبيعته ومهمته الأساسية في ضبط التضخم واستقرار العملة. وأشار إلى أن هذا النوع من المقترحات يتطلب تفكيراً عميقاً لتجنب المخاطر المحتملة.
واتفق معه عضو مجلس النواب إيهاب منصور، الذي أكد على ضرورة فصل "السياسة المالية للدولة التي تديرها وزارة المالية عن السياسة النقدية التي يتحكم فيها البنك المركزي كجهة مستقلة عن الحكومة". وأوضح منصور أنه لا يوجد حل سحري لأزمة الدين، بل الحل يكمن في التنمية وفق وحدة الموازنة العامة.
وأشار عبد النبي إلى أن أقرب نموذج للمقترح هو صفقة "رأس الحكمة" التي أجرتها الحكومة مع دولة الإمارات. وكان قد تم إبرام صفقة مع الإمارات في فبراير 2024 بقيمة 150 مليار دولار، تضمنت التنازل عن 5 مليارات دولار من الودائع الخاصة بالإمارات لدى البنك المركزي المصري.
ردود فعل قوية على المقترح من أكاديميين ومصرفيين
شرح عبد النبي أن مقترح تسوية الدين عبر منح الدائنين أسهماً في أصول الدولة بدلاً من السداد النقدي يفتقر للوجاهة الاقتصادية، لأنه بذلك تضحي بأصول استراتيجية تدر دخلاً مستداماً لسداد التزامات مالية تملك الدولة بالفعل السيولة المحلية اللازمة لتغطيتها. وانتقد رئيس البنك التجاري الدولي هشام عز العرب المقترح، مشيراً إلى أن "40 في المائة من الأذون الحكومية مملوكة لأجانب".
ورأى عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب الجيل الديمقراطي، ناجي الشهابي، أن مقترح "المقايضة الكبرى" لا يُعدّ حلاً للأزمة، بل نقلاً للدين من خانة مالية قابلة للإدارة إلى خانة التفريط في أصول الدولة. وأكد أن الدين الداخلي، رغم ضغوطه، يظل ديناً داخل المنظومة الوطنية ويمكن إعادة هيكلته.
وأكد أستاذ الاقتصاد والتمويل في أكاديمية السادات، أنور النقيب، أن المقترح يُخرج "البنك المركزي" عن مهمته الرئيسية، قائلاً إن "الطرح بنقل المديونية من الحكومة إلى البنك المركزي مقابل نقل ملكية أصول للدولة يخرج من نطاق أي مرجعيات علمية أو أكاديمية". وقد تكررت هذه الآراء خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي لكلية السياسة والاقتصاد في جامعة القاهرة.







