في عامٍ تداخلت فيه السياسة بالاقتصاد على نحو غير مسبوق. قال الخبراء إن الرسوم الجمركية -أو ما يُعرف بـ«يوم التحرير»- شكلت محور الاضطراب الاقتصادي في الولايات المتحدة والعالم؛ حيث بدت البلاد وكأنها تسير على حافة عدم اليقين. وأضافوا أن المؤشرات الكلية لم تعد كافية لفهم ما يجري، ولم يعد الخطاب السياسي قادراً على طمأنة الأميركيين والأسواق معاً. وبين قرارات حاسمة اتُّخذت بسرعة، وتداعيات لم تتضح آثارها بالكامل، تشكَّل مشهد اقتصادي معقَّد اتسم بتناقضات لافتة.
ومع بدء 2026، يبرز سؤال جوهري: هل ما تشهده أميركا هو مخاض تحوُّل اقتصادي جديد؟ أم مجرد مرحلة اضطراب ستترك آثاراً طويلة الأمد على النمو والاستقرار؟
اضطرابات عام 2025
يمكن تلخيص الاضطرابات السياسية والاقتصادية المباشرة في أميركا العام الماضي بالنقاط التالية. أولاً، شكلت الرسوم الجمركية محور الاضطراب الاقتصادي في عام 2025، ليس داخل الولايات المتحدة فحسب، بل عالمياً. وأوضح المراقبون أن سياسات الإدارة الأميركية مثَّلت قطيعة مع عقود من تحرير التجارة.
وسجل متوسط الرسوم الجمركية قفزة إلى 15.8 في المائة مقارنة بـ1.5 في المائة في 2022، وفقاً لبيانات البنك الدولي. وأشار مختبر موازنة جامعة ييل إلى أن هذه النسبة قد تصل إلى نحو 17 في المائة بنهاية 2025، مما وفَّر إيرادات شهرية تقارب 30 مليار دولار.
غير أن التكلفة الاقتصادية كانت واضحة؛ إذ أدت الرسوم منذ بدء تطبيقها في أبريل إلى ارتفاع تكاليف سلاسل التوريد، وانتقال 40– 50 في المائة من أعبائها إلى المستهلكين. ورفع ذلك التضخم الأساسي بنحو 0.4– 0.5 نقطة مئوية، وزاد تكلفة المعيشة على الأسر بنحو 1100 دولار سنوياً.
التحديات الاقتصادية والضغوط
رغم تحصيل 235 مليار دولار من الرسوم منذ بداية العام، بقيت الإيرادات دون التوقعات (300 مليار دولار). ومع ذلك، ترى الإدارة أن الأثر قد يكون أقل حدة مما خُشي سابقاً. وفي المقابل، ظل التضخم أحد أبرز التحديات في 2025. رغم تسجيل مؤشر أسعار المستهلكين في نوفمبر ارتفاعاً أقل من المتوقع عند 2.7 في المائة سنوياً.
وحذَّر رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول من تأثير إغلاق الحكومة على دقة البيانات. بينما بقيت القدرة الشرائية للأسر الأميركية تحت الضغط نتيجة ارتفاع تكلفة السلع المستوردة والخدمات. وأصبح التضخم يشعر بأنه لم يعد ظاهرة عابرة.
ويظل معدل التضخم أعلى من المستهدف لدى البنك المركزي، حيث ارتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي المفضل لدى «الفيدرالي» إلى 2.8 في المائة في الربع الثالث، مقابل 2.1 في المائة في الربع الثاني.
القطاع الحكومي وسوق العمل
ثانياً، زاد الإغلاق الحكومي الذي استمر 43 يوماً في 2025 من تعقيد المشهد الاقتصادي. فعلى المدى القصير، أدى تعليق عمل نحو 700 ألف موظف إلى تراجع إنفاق المستهلكين، وانخفاض معنوياتهم إلى مستويات قريبة من أدنى مستوياتها خلال الجائحة. كما انخفض النشاط السياحي والفنادق بسبب إغلاق الحدائق وتقليص الرحلات الجوية.
أما على المدى الطويل، فقدَّرت الجهات غير الحزبية مثل مكتب الموازنة في الكونغرس خسارة الناتج المحلي الإجمالي بين 7 و14 مليار دولار بسبب الإنتاجية المفقودة. وأدى ذلك إلى تآكل الثقة الدولية في الولايات المتحدة، وتأثير ذلك على مكانتها الاقتصادية العالمية.
وعلى صعيد النمو، تميز عام 2025 بتقلبات بارزة. فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.6 في المائة في الربع الأول، نتيجة زيادة الواردات، ومع ذلك، عاد الاقتصاد بقوة في الربع الثاني، مسجلاً نمواً سنوياً معدَّلاً بلغ 3.8 في المائة.
سوق العمل والوظائف
رغم أن سوق العمل بدا متماسكاً ظاهرياً، كشف عام 2025 عن هشاشة متزايدة في بنيته. فقد أضاف الاقتصاد 64 ألف وظيفة جديدة في نوفمبر، متجاوزاً التوقعات، ولكنه سجل صافي خسارة 105 ألف وظيفة في أكتوبر. وبلغ متوسط نمو الوظائف الشهري خلال العام نحو 50 ألف وظيفة.
على المستوى الهيكلي، أدت سياسات الهجرة المشددة وتسارع التقاعد إلى خروج نحو 3 ملايين عامل من قوة العمل منذ 2024، مما خلق نقصاً مصطنعاً في العمالة. وتتركز فرص النمو في قطاعات محدودة مثل الرعاية الصحية، بينما تكبَّدت القطاعات المعتمدة على التجارة خسائر واضحة في الوظائف.
ثالثاً، بعد عام من تثبيت أسعار الفائدة، شرع «الاحتياطي الفيدرالي» في خفضها خلال سبتمبر وأكتوبر وديسمبر. في خطوة تهدف إلى التكيف مع حالة عدم اليقين المتزايدة في الأسواق، حيث اتسمت علاقة الرئيس ترمب برئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بالتوتر والصراعات العلنية.
فرص النمو والتحديات المستقبلية
في خضم الاضطراب الاقتصادي، برز قطاع الذكاء الاصطناعي كأحد أبرز محركات النمو. فقد شهدت الاستثمارات في بنيته التحتية طفرة كبيرة، مدفوعة جزئياً بقانون «CHIPS Act». ومع ذلك، يبقى التحدي قائماً في جانب الإنتاجية، حيث تشير الأدلة إلى أن 95 في المائة من الشركات الأميركية لم تحقق بعد عوائد ملموسة من هذه الاستثمارات.
ومع اقتراب 2026، يتوقع الخبراء أن يواجه الاقتصاد الأميركي «ركوداً تضخمياً خفيفاً». مع تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 2 في المائة. ويتراوح توقع النمو بين 2.2 -حسب «رويال بنك أوف كندا»- و2.6 في المائة -وفق «غولدمان ساكس»- مدعومة بخفض الضرائب.
هذا التفاؤل الحكومي يصطدم بجدار من التشكيك في أوساط الدوائر الاقتصادية المستقلة. بينما ينقسم الخبراء بين متوجس ومتفائل.







