مع بداية عام 2026 يترسخ في المشهد الاقتصادي الأميركي نموذج جديد وُلِد من رحم تحولات عام 2025؛ العام الذي لم يكن مجرد محطة عابرة بل نقطة تحول جوهرية في الفلسفة التي تحكم علاقة الدولة بالأسواق. فقد أصبحت الرسوم الجمركية ركيزة ثابتة في هيكلية الاقتصاد، بعد أن تجاوزت كونها إجراء دفاعياً لتصبح أداة استراتيجية لإعادة تموضع الولايات المتحدة في نظام عالمي يتسم بتراجع العولمة وتصاعد الصراع الجيوسياسي.
الرسوم الجمركية: تكلفة عالية ونمو محدود
من منظور اقتصادي تقليدي، لا يترك هذا التحول مجالاً كبيراً للتفاؤل. فالرسوم الجمركية تُعد، في جوهرها، ضريبة غير مباشرة على الاقتصاد المحلي، إذ تعمل على رفع الأسعار وتشويه آليات التسعير وتقليل الكفاءة الإنتاجية وتقليص حجم التبادل التجاري. والأهم أنها لا تولّد نمواً حقيقياً بل تعيد توزيع الدخل داخل الاقتصاد بطريقة غير متوازنة، حيث تستفيد قطاعات محدودة على حساب المستهلكين والشركات المرتبطة بسلاسل التوريد.
وتؤكد التجارب التاريخية هذا المنحى المتحفظ. ففي أبريل 2019، استخدم صندوق النقد الدولي نماذج متعددة لتقييم أثر فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على التجارة بين الولايات المتحدة والصين، وخلصت جميعها إلى تسجيل خسائر اقتصادية كبيرة لكلا البلدين. كما أظهرت دراسة قادها ألبرتو كافالو، باحث في جامعة هارفارد، في أكتوبر من العام نفسه أن الرسوم المفروضة على الواردات الصينية انتقلت بشكل شبه كامل إلى أسعار الاستيراد في الولايات المتحدة.
صمود الاقتصاد الأميركي: بين التضخم والطلب المحلي
رغم ذلك، أظهر الاقتصاد الأميركي في 2025 درجة لافتة من الصمود، ما دفع البعض إلى عد الرسوم أقل ضرراً مما يُفترض نظرياً. فقد نما الاقتصاد الأميركي بمعدل سنوي قوي بلغ 4.3 في المائة في الربع الثالث، مدفوعاً بارتفاع الإنفاق الاستهلاكي والصادرات والإنفاق الحكومي. غير أن هذا الاستنتاج يتجاهل طبيعة هذا الصمود وأسبابه.
فالنمو الذي تحقق لم يكن نتاج تحسن في الكفاءة أو توسع في التجارة، بل جاء مدفوعاً بالطلب المحلي والإنفاق الحكومي والسياسة المالية التوسعية. أما التكلفة الحقيقية، فتمثلت في تحول التضخم إلى ظاهرة أكثر لزوجة نتيجة انتقاله من تضخم الطلب إلى تضخم التكلفة.
الذكاء الاصطناعي: تعويض أم محفّز للنمو؟
برز الذكاء الاصطناعي كعامل تعويض اقتصادي أكثر منه محرّك نمو تقليدي. فمع ارتفاع تكاليف العمالة والمدخلات المستوردة، وجدت الشركات الكبرى في الأتمتة والتقنيات الرقمية وسيلة لتقليص الاعتماد على العمل البشري وسلاسل التوريد الخارجية. بهذا المعنى، لم يكن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي انعكاساً لبيئة اقتصادية مزدهرة بل استجابة قسرية لبيئة تجارية أكثر تكلفة وأقل كفاءة.
حجم سوق الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة قُدّر بنحو 54.09 مليار دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن ينمو السوق من 66.42 مليار دولار في 2025 إلى 319.32 مليار دولار بحلول 2032، بتسجيل معدل نمو سنوي مركب يبلغ 25.10 في المائة خلال فترة التوقعات.
الانقسامات الاقتصادية
غير أن هذا التحول التكنولوجي عمق الانقسامات داخل الاقتصاد، فظهرت اقتصادات ثنائية المسار: شركات كبرى قادرة على تمويل التحول الرقمي والاستفادة من الإعفاءات والحوافز، مقابل شركات صغيرة ومتوسطة تواجه ضغوطاً مزدوجة من ارتفاع التكاليف ونقص العمالة. وعلى مستوى سوق العمل، تزامنت الأتمتة مع تشديد سياسات الهجرة وتسارع التقاعد.
ما أدى إلى تباطؤ خلق الوظائف وارتفاع البطالة نسبياً رغم استمرار النمو. هذا الانفصال بين الإنتاجية والتوظيف يطرح تساؤلات جوهرية حول نوعية النمو وقدرته على دعم الاستقرار الاجتماعي.
تحديات السياسة النقدية والمالية
أما الاحتياطي الفيدرالي، فوجد نفسه محاصراً بين خيارات محدودة. فالتضخم المدفوع بالتكلفة يقلل من فاعلية التشديد النقدي، في حين أن التيسير المفرط قد يرسخ الضغوط السعرية ويغذي فقاعات الأصول. لذلك اتسمت السياسة النقدية بالتردد والحذر.
ومع اقتراب عام 2026، يتحول الرهان إلى السياسة المالية بوصفها أداة تعويض أساسية. فالحوافز الضريبية والإنفاق الاستثماري المرتقب يُفترض أن يخففا العبء عن الأسر ويدعما استمرار الاستثمار، غير أن هذا الرهان محفوف بالمخاطر.
الإنفاق على الذكاء الاصطناعي
ظهرت عدة نظريات متباينة لتفسير استمرار قوة الاقتصاد الأميركي رغم حرب التعريفات الجمركية. ووفقاً لأحد كبار الاقتصاديين، يمكن نسب الفضل في ذلك إلى الإنفاق القوي على الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فإن الانفجار الكبير في النفقات الرأسمالية التي أنفقتها الشركات هذا العام لبناء مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي قد يخفي حقيقة مزعجة بشأن النمو الاقتصادي الأميركي.
ويعتقد تورستن سلّوك، كبير الاقتصاديين في شركة أبولو غلوبال منجمنت، أن حجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي كان كبيراً بما يكفي لتخفيف أي تأثيرات سلبية متوقعة نتيجة رسوم ترامب الجمركية. بينما تشير أحدث تقديرات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث الصادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا إلى نمو بنسبة 3.9 في المائة.
نموذج نمو هش أم فرصة هيكلية؟
في المحصلة، لا يواجه الاقتصاد الأميركي أزمة دورية عابرة بل يخضع لاختبار عميق لإعادة تعريف معنى النمو في عصر ما بعد العولمة. فالرسوم الجمركية، رغم تكلفتها الاقتصادية المثبتة نظرياً وتجريبياً، أصبحت أداة سياسية يصعب التراجع عنها.
والسؤال الجوهري ليس ما إذا كان الاقتصاد قادراً على الاستمرار، بل ما إذا كان هذا المسار سينتج نموذج نمو بشكل مستدام وشامل أم مجرد توازن هش قائم على الابتكار التعويضي والحمائية الدائمة.







