قال المصري أحمد فاروق معبرا عن ضيقه: "أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا"، وذلك أثناء تأمله تذكرة القطار التي اشتراها صباح الاثنين، معلقاً على الزيادة الجديدة في أسعار التذاكر.
وبدأت الحكومة المصرية يوم الجمعة الماضي تطبيق زيادات في أسعار تذاكر القطارات ومترو أنفاق القاهرة، وذلك على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية نتيجة تداعيات الحرب الإيرانية، ويأتي هذا بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات في أسعار المحروقات تجاوزت 30 في المائة.
أضاف فاروق، وهو موظف في إحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، أنه يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، وأوضح لـ"الشرق الأوسط" أن رحلته تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق، وأشار إلى أنه أصبح مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً، وتساءل في ظل ثبات الراتب عما إذا كان سيقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء.
يعكس هذا التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين يأتون إلى القاهرة كل صباح ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم، وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات والمترو ووسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.
يذكر أنه قد زادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر المترو بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.
بين فاروق أن قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً، وأن قيمة تذكرة المترو زادت من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل رحلة العمل تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.
أوضح الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور ياسر حسين لـ"الشرق الأوسط" أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، حيث تضع هذه الزيادات الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى مثل التعليم والصحة، وأضاف أن البنود الترفيهية تلاشت تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.
أضاف حسين أن الأسر تنفق ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم، وأشار إلى أن رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بالمترو أو القطار فقط، بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، مما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل ويضغط على ميزانية الأسر.
تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب داخل القطار الحديث عن إرهاق ثمن المشوار اليومي، وطرق مواكبة سرعة تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع فاتورة الوصول الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.
قال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: "لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو"، وأضاف أنه يفكر بالفعل في ترك العمل بالقاهرة، لأن قيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يستهان به من الدخل.
تعد القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب عدد سكانها الذي يتجاوز 11 مليون نسمة.
بين حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة، وأضاف أنه حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط، بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم.
سجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير الماضي.
انشغل الركاب في قطارات المترو بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية، وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تدرس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة، وأشارت إلى أنها كانت تعتبر المترو الوسيلة الأرخص والأسرع، لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت تفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابها للمركز أو الاتجاه للتدريس أون لاين، لأن كل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط.
أكدت الخبيرة الاجتماعية والأسرية داليا الحزاوي أنه في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل، على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن، وأشارت إلى أن هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري.

