في خضم التحولات الجيوسياسية التي تشهدها ممرات الطاقة العالمية، ظهرت رؤية اقتصادية سورية تهدف إلى إنهاء عقود من الاعتماد على مضيق هرمز، وتتلاقى مع أهداف رؤية السعودية 2030.
وكشفت مبادرة (4+1) التي عرضها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، أسامة قاضي، عن خطة عمل تجمع بين إنشاء شبكة قطارات سريعة وتطوير أنابيب النفط التاريخية (التابلاين)، وذلك بهدف تحويل الأراضي السورية والسعودية إلى مركز لوجستي عالمي يربط بين ثلاث قارات.
وتهدف هذه المبادرة الاستراتيجية إلى ضمان تدفق حوالي 7 ملايين برميل نفط يومياً بعيداً عن التهديدات الإيرانية، بالإضافة إلى ضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة على مستوى العالم.
وتهدف المشروعات المقترحة إلى كسر الاحتكار المرتبط بمرور أكثر من 20% من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، وذلك من خلال إيجاد طرق برية آمنة ومستقرة تقلل من تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.
وجاء الإعلان عن هذه الرؤية في ظل تعطل حركة الملاحة البحرية وتصاعد التوترات الإقليمية، مما يعطي مشروعات الربط السككي وأنابيب النفط العابرة للحدود أهمية كبيرة كبدائل مستدامة تضع المملكة في قلب حركة التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.
ويعتبر مشروع إنشاء خط قطار فائق السرعة يربط المملكة بسوريا مروراً بالأردن، مع الاستفادة من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى منفذ الحديثة، من أبرز هذه المشروعات.
وفي حديث له، أوضح قاضي أن هذا المشروع يجسد أهداف رؤية السعودية من حيث تنويع الاقتصاد وتعزيز دور المملكة كمركز لوجستي عالمي، بالإضافة إلى رفع كفاءة سلاسل الإمداد وإعادة إعمار سوريا والمساهمة في التنمية الاقتصادية العربية، كما أنه يحول الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية مباشرة ويضع المملكة في قلب حركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
وأكد قاضي أن الجدوى الاقتصادية لهذا المشروع ليست مجرد فكرة، حيث أن أكثر من 70% من البنية التحتية داخل السعودية موجودة بالفعل حتى منفذ الحديثة، مما يقلل من تكلفته ويسرع تنفيذه، وأضاف أن كل دولار يتم استثماره في هذا المشروع سيحقق عوائد مضاعفة من خلال رسوم العبور والخدمات اللوجستية والمناطق الصناعية وتوسيع الصادرات، وفي الوقت نفسه يوفر مساراً بديلاً يقلل من الاختناقات في الممرات البحرية ويعزز استقرار تدفقات النفط والغاز، مشيراً إلى أن هذا المشروع ليس مجرد بنية تحتية للنقل، بل هو أداة لخفض تقلبات الأسعار وزيادة موثوقية الإمدادات وخلق قيمة مضافة وتعزيز الأمن الغذائي العربي.
ويتضمن المشروع إحياء مسار خط الحجاز باعتباره جزءاً من الشبكة الحديثة، مما يمنح المشروع عمقاً تاريخياً ويقلل التكاليف ويفتح الطريق شمالاً نحو تركيا وجنوباً نحو المدينة المنورة.
وأشار قاضي إلى أنه للوصول إلى المشروع قبل عام 2030، يجب تقسيمه إلى حزم يتم العمل عليها بالتوازي داخل الأردن وسوريا، مع قيادة برامج مشتركة، بحيث يتم البدء بخط شحن حديث وعالي الكفاءة وخط ركاب متوسط السرعة، ثم رفع السرعات تدريجياً في المقاطع ذات الجدوى.
وبين قاضي أن التكلفة التقديرية لهذا المشروع تتراوح بين 12 و25 مليار دولار لسيناريو مختلط (شحن + ركاب سريع جزئياً)، وترتفع في حال تعميم السرعات العالية على كامل المسار، لكن العائد الاستراتيجي من الناحية اللوجستية والطاقة والغذاء يجعله من أعلى المشروعات مردوداً في المنطقة.
ومما يسرع من تنفيذ المشروع أن الجزء السعودي قائم حتى مدينة الحديثة، بينما تصل المسافة من الحديثة إلى دمشق نحو 700 كيلومتر، وبين دمشق وأنطاكيا نحو 350 كيلومتر.
وأشار قاضي إلى أن سرعة القطار في المرحلة الأولى من المشروع ستصل إلى نحو 120 – 200 كيلومتر/ساعة، وفي المرحلة الثانية إلى 200 – 300 كيلومتر/ساعة، في حين يستغرق تحضيره وتمويله أقل من سنة، والتنفيذ المرحلي المتوازي أقل من 4 سنوات، بحيث يحتفل البلدان بتشغيل أولي للخط قبل عام 2030.
ورأى قاضي أن الأمن الغذائي العربي لن يتحقق عبر الاستيراد فقط، بل عبر بناء ممرات لوجستية ذكية، وأن هذا المشروع يحول المنطقة إلى منصة لإعادة توزيع الغذاء عالمياً، تبدأ من الهند وآسيا، وتعبر الخليج وسوريا، لتصل إلى أوروبا.
ومن ضمن مشروعات (4+1) إعادة إحياء خط أنابيب نقل النفط «التابلاين» الذي نشأ عام 1947 بطول 1664 كيلومتراً، ويمتد من مدينة بقيق السعودية إلى ميناء صيدا اللبناني على البحر الأبيض المتوسط، مع تعديل نهايته ليصب في ميناء بانياس السوري، بحيث يتم ضخ ما بين 5 و7 ملايين برميل يومياً عبر أربعة خطوط متوازية، وذلك بعدما أغلق المشروع بشكل نهائي في تسعينات القرن الماضي.
ويرى قاضي أن هذا المشروع هو صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية، لأنه يخلق ممراً برياً آمناً للنفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط، مما يخرج جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة العالمية من دائرة المخاطر الجيوسياسية، وخاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز، بمعنى آخر، يتم نقل العالم من اقتصاد مهدد بالاختناقات إلى اقتصاد مستقر متعدد المسارات.
ويتمثل المشروع الثالث في إعادة تأهيل خط «كركوك – بانياس» لنقل النفط، واستبداله بخطوط متوازية تضخ من مليون إلى 3 ملايين برميل نفط يومياً من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس، بعدما كان يضخ نحو 300 ألف برميل.
ويتمثل المشروع الرابع بمد خط لنقل الغاز القطري الذي بدأ ينقطع بسبب مشاكل مضيق هرمز وإيران.
ويبدأ الخط من قطر إلى الأردن وبعد ذلك سوريا وصولاً إلى تركيا ومن ثم أوروبا، على أن ينبثق منه المشروع الخامس بمد وصلة نقل إلى بانياس.
وأوضح قاضي أن سوريا كانت تاريخياً قلب طرق التجارة العالمية، واليوم يمكن أن تعود إلى هذا الدور، ولكن بمنطق القرن الحادي والعشرين: سكك حديدية سريعة وموانئ ذكية وممرات طاقة متكاملة، وإذا نجحت مشروعات (4+1)، فإن دمشق لن تكون فقط عاصمة سياسية، بل عاصمة لوجستية واقتصادية تربط ثلاث قارات، وأضاف أننا ننتقل من مفهوم الجغرافيا السياسية إلى الجيو-اقتصاد، ومن يملك الممرات يملك التأثير، وسوريا مؤهلة لأن تكون أحد أهم الممرات في العالم، ومشروعات (4+1) تعيد تعريف المنطقة ليس كمنطقة صراعات، بل كمنطقة عبور وازدهار.
وأكد قاضي أن العالم أدرك بعد الأزمات الأخيرة أن الاعتماد على الممرات البحرية فقط هو مخاطرة استراتيجية، وأن ما يتم تقديمه من مشروعات هو بديل بري مستقر يقلل من تكلفة النقل ويزيد من أمن الإمدادات، وهي ليست بديلاً عن البحر، بل توازن ضروري يمنع أي جهة من احتكار حركة التجارة العالمية.
وشدد قاضي على أن إعمار سوريا يجب ألا تكون إعادة بناء حجارة، بل بناء دور اقتصادي، وأن هذه المشروعات تخلق اقتصاد عبور يدر مليارات الدولارات سنوياً وعشرات ألوف فرص العمل، وتدفع بعجلة النمو الاقتصادي السوري، وبهذا النموذج، تصبح سوريا دولة منتجة للخدمات اللوجيستية والطاقة، وليست فقط متلقية للمساعدات.
وبينما ذكرت مصادر أن هذه المشروعات قيد الدراسة من قِبل كثير من الجهات الحكومية السورية والعربية، أشار قاضي إلى أن تكلفتها تصل إلى أقل من 30 مليار دولار، وأنها في حاجة إلى تمويل من ثلاثة صناديق سيادية عربية على الأقل في المنطقة وصندوق سيادي أوروبي، واعتبر المشروعات أنها أول اختبار حقيقي لفكرة التكامل الاقتصادي العربي، وأنه إذا نجح هذا النموذج، يمكن تعميمه ليصبح نواة لسوق عربية مشتركة حقيقية، وسيتم تذكره في التاريخ باعتباره أحد أهم مشروعات القرن الحادي والعشرين في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي التي تتناغم مع رؤية السعودية 2030 بجعل الشرق الأوسط أوروبا جديدة، وسوريا هي درة الشرق الأوسط.
ويرى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، أن الحديث عن هذه المشروعات يمثل طرحاً لاستراتيجية الجيوبوليتيك الطاقي التي يمكن أن تعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط بالكامل، لكنه أشار إلى أنه رغم النظرة المتفائلة، فحزمة هذه المشروعات تحتاج إلى تمويل ضخم واستثمارات كبيرة وثقة ائتمانية عالية واستقرار نقدي، والأهم توافق سياسي شامل.

