على الرغم من التوترات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، سجل الذهب تراجعاً ملحوظاً مخالفاً للتوقعات الاقتصادية، حيث انخفض بأكثر من 14 في المائة خلال شهر مارس، مسجلاً أكبر تراجع شهري منذ أكتوبر 2008. هذا التراجع أثار تساؤلات حول ما إذا كان الذهب قد تخلى عن دوره التقليدي كملاذ آمن في أوقات الأزمات، أو أن هناك تحولات أعمق في سلوك المستثمرين والسياسات النقدية تعيد تشكيل خريطة الأصول الآمنة.
تزامن هذا التراجع مع ارتفاع ملحوظ في قيمة الدولار الأميركي بنسبة 2 في المائة منذ بداية الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في أواخر شهر فبراير الماضي، على الرغم من أن الذهب حافظ على مكاسب تقارب 5 في المائة منذ بداية الربع الأول. يبقى السؤال المطروح: ما الأسباب التي أدت إلى هذه المعادلة الجديدة؟
قال رئيس قسم خدمات الاستثمار في بنك "يونيون بانكير بريفيه" فهد إقبال، إن الضغوط التي تعرض لها الذهب تعود إلى عاملين رئيسيين، أولهما توجه المستثمرين لتسييل الأصول التي حققت أداءً قوياً خلال فترات الاضطراب.
أوضح إقبال أن الذهب، الذي كان من بين أفضل الأصول أداءً خلال العامين الماضيين، أصبح هدفاً لعمليات البيع بهدف تعويض الخسائر أو تلبية متطلبات الهامش، مشيراً إلى أن هذه الديناميكية تكررت في أزمات سابقة مثل عامي 2008 و2020.
أضاف إقبال أن العامل الثاني يتمثل في ارتفاع تكاليف الطاقة، مما عزز توقعات التضخم ودفع الأسواق إلى تسعير احتمالات رفع أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية، وهو ما شكل ضغطاً مباشراً على الذهب باعتباره أصلاً لا يدر عائداً.
من جهته، أرجع الرئيس الأول لإدارة الأصول في "أرباح المالية" محمد الفراج، التراجع إلى تضافر مجموعة من العوامل الاقتصادية، في مقدمتها الارتفاع القوي في عوائد السندات الأميركية التي توفر بديلاً استثمارياً أكثر جاذبية مقارنة بالذهب.
أشار الفراج إلى أن توقعات تشديد السياسة النقدية من قبل "الاحتياطي الفيدرالي" عززت من قوة الدولار، مما جعل الذهب أكثر تكلفة لحائزي العملات الأخرى ودفع المستثمرين إلى البيع لجني الأرباح بعد موجات الصعود السابقة.
أوضح الفراج أن هذا الهبوط يمكن اعتباره "تصحيحاً صحياً وطبيعياً" ضمن دورة السوق، خاصة بعد الارتفاعات القياسية التي سجلها الذهب في الأعوام الماضية، لافتاً إلى أن التراجعات التي تتراوح بين 10 و20 في المائة غالباً ما تسهم في إعادة التوازن بين العرض والطلب.
بدوره، قال رئيس تداول المبيعات العالمية في شركة "إي دي إس إس" نيل كين، إن أحد أبرز أسباب التراجع يتمثل في التحول المفاجئ في توقعات الأسواق بشأن أسعار الفائدة، موضحاً أن الأسواق انتقلت من ترقب خفض الفائدة إلى تسعير سلسلة من الزيادات المحتملة، مما غير بشكل جذري من جاذبية الذهب. أضاف كين أن هذا العامل، إلى جانب قوة الدولار، شكل ضغطاً مزدوجاً على المعدن النفيس.
أشار كين إلى أن المستثمرين يلجأون في أوقات تراجع الأصول عالية المخاطر إلى تسييل مراكزهم الرابحة، بما في ذلك الذهب، لتغطية خسائرهم في استثمارات أخرى، وهو ما ساهم في تسريع وتيرة الهبوط.
على الرغم من أن التوترات الجيوسياسية عادة ما تدعم الذهب، فإن الأسواق بدت أقل تفاعلاً مع التطورات الأخيرة، وهو ما يثير تساؤلات حول تغير سلوكها.
في هذا السياق، يرى كين أن الأسواق أصبحت أقل انفعالاً بالتصريحات السياسية المتضاربة، لكنها لا تزال تضع الجيوسياسية في صلب حساباتها، مؤكداً أن أي انفراج دبلوماسي قد يحدث تحركات حادة في مختلف الأصول.
لكن آراء الخبراء حول طبيعة هذا التراجع تباينت؛ إذ يرى الفراج أنه تصحيح صحي ضمن دورة السوق، في حين يعتبر كين أن ما يحدث قد يتجاوز ذلك في ظل ما وصفه بـ"صدمة تضخمية" مستمرة وضغوط على أسواق الأسهم العالمية. أما إقبال، فيؤكد أن التراجع الحالي لا يعني فقدان الذهب لمكانته كملاذ آمن، بل يعكس ضغوطاً مرتبطة بالسيولة دون تغيير النظرة الإيجابية طويلة الأجل تجاه المعدن.
على الرغم من الأداء الأخير، يتفق معظم المحللين على أن الذهب لم يفقد دوره التاريخي، ولكنه أصبح أكثر حساسية للمتغيرات النقدية وسلوك المستثمرين. يشير كين إلى أن الذهب بات في بعض الفترات يتصرف بشكل أقرب إلى الأصول عالية المخاطر نتيجة المكاسب الكبيرة التي حققها في السنوات الأخيرة وزيادة نشاط المضاربين في سوق المعادن.
في المقابل، يؤكد إقبال أن الذهب لا يزال يحتفظ بجاذبيته في بيئات الركود التضخمي والتباطؤ الاقتصادي، وهي عوامل لم تختف من المشهد العالمي.
على صعيد آخر، يبرز التساؤل حول دور العملات الرقمية، وعلى رأسها "البتكوين"، كبديل محتمل للذهب في أوقات الأزمات. يرى الفراج أنه على الرغم من تنامي حضورها، فإنها لا تزال تعاني من تقلبات تحد من قدرتها على منافسة المعدن اللامع الذي يتمتع بسيولة عالية وتاريخ طويل كأداة تحوط.
يتفق كين مع هذا الطرح، مشيراً إلى أن العملات الرقمية لا تزال أقرب إلى الأصول المضاربية ولا توجد مؤشرات حالياً على قدرتها على إزاحة الذهب من موقعه في أوقات الأزمات.
في ظل هذا المشهد المعقد، يبقى مسار الذهب مرهوناً بعدة عوامل، في مقدمتها توجهات السياسة النقدية الأميركية وتحركات الدولار، إلى جانب تطورات المشهد الجيوسياسي.
يرجح المحللون أن أي تراجع في توقعات رفع الفائدة أو حدوث انفراج دبلوماسي قد يمنح الذهب فرصة للتعافي، في حين أن استمرار الضغوط الحالية قد يبقيه تحت الضغط على المدى القصير.

