بعد الهجمات التي طالت منشآت بتروكيماويات في بعض دول الخليج، يواجه العالم تهديدا بتعطيل سلاسل الإمداد. النيران التي اندلعت في بعض المرافق ستخلف تصدعات في ثقة الأسواق، حيث يمثل هذا التصعيد استهدافا للبنية التحتية التحويلية التي تغذي آلاف المصانع حول العالم.
قد لا يدرك الكثيرون أن برميل النفط لا يكتفي بتشغيل المحركات، بل هو المادة الخام التي تصنع تفاصيل حياتنا المعاصرة. يلعب قطاع البتروكيماويات دور الجسر الذي يربط بين موارد الطاقة الأولية وآلاف المنتجات النهائية، من عبوات الغذاء والأجهزة الطبية إلى أجزاء السيارات والطائرات. بمعنى آخر، يعد هذا القطاع ترمومترا حقيقيا للنشاط الصناعي العالمي، وبمجرد أن يهتز، تهتز معه سلاسل الإمداد في مختلف القارات.
تعتمد هذه الصناعة في جوهرها على تحويل مشتقات النفط والغاز الطبيعي، المعروفة بـ«اللقيم» (مثل الإيثان والنافتا)، عبر عمليات كيميائية معقدة تعرف بـ«التكسير»، إلى مواد أساسية مثل الإيثيلين والبروبيلين. هذه المواد هي لبنات بناء تستخدم في تصنيع كل ما يحيط بنا. من هنا، تكتسب الهجمات الأخيرة خطورتها، فهي لا تستهدف مجرد مصانع، بل تضرب «المادة الخام» التي يقوم عليها الهيكل الصناعي العالمي.
كذلك، تتميز البتروكيماويات بكونها صناعة «عابرة للحدود» بامتياز، حيث تنتج المواد الأساسية في مناطق وفرة اللقيم مثل الخليج وأميركا لتشحن إلى مراكز التصنيع الكبرى في آسيا وأوروبا. هنا تكمن الحساسية المفرطة للقطاع تجاه التوترات الجيوسياسية، فأي تهديد للممرات المائية، وتحديدا مضيق هرمز، لا يرفع تكاليف الشحن وأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب فحسب، بل يضع الشركات أمام معضلة العجز عن الوفاء بالتزاماتها التعاقدية، وهو ما يتسبب في ارتفاع جنوني في أسعار مدخلات صناعات حيوية مثل البناء والتغليف والزراعة.
تتركز صناعة البتروكيماويات عالميا في أقطاب رئيسية: الصين (أكبر منتج ومستهلك عالمي)، السعودية (الرائدة في الشرق الأوسط)، الولايات المتحدة (اللاعب المهيمن في المنتجات عالية القيمة)، الهند («العملاق القادم»)، ألمانيا (تقود الصناعة الأوروبية)، اليابان وكوريا الجنوبية (قوى صناعية كبرى)، إيران وقطر والكويت (لاعبون محوريون في الشرق الأوسط)، الإمارات (مصدر صاعد بقوة)، وتايوان (مركز تصنيع رئيسي في جنوب شرقي آسيا).
قبل اندلاع الأحداث الأخيرة، كانت التقارير ترسم مسارا حذرا لتعافي سوق البتروكيماويات العالمي بعدما كان يرزح تحت ضغوط، ليصل حجمه إلى نحو 743 مليار دولار. غير أن الهجمات الأخيرة حولت سيناريوهات النمو المتوقعة إلى خطط طوارئ، ووضعت الدول المستوردة في مواجهة مباشرة مع خطر توقف الإنتاج الصناعي.
تعد القارة الآسيوية الخاسر الأكبر من أي اضطراب في بتروكيماويات الخليج، نظرا لاعتمادها الهائل على اللقيم القادم عبر مضيق هرمز. تبرز اليابان وكوريا الجنوبية بوصفهما أكثر القوى الصناعية هشاشة أمام هذه الصدمة، فيما تواجه الهند تهديدا مزدوجا يمس أمنها الغذائي. أوروبا التي تعاني أصلا من تكاليف طاقة مرتفعة ستواجه الآن قفزة في أسعار المواد الخام.
في المقابل، تخلق هذه الأزمة فرصا لقوى أخرى لتعزيز نفوذها في السوق العالمية. فرغم تأثر الصين بارتفاع أسعار الطاقة فإن توسعاتها الضخمة في القدرة الإنتاجية تمنحها القدرة على سد الفجوة التي خلفها تعطل إمدادات الخليج. يبرز المنتجون الأميركيون بوصفهم «رابحا استراتيجيا»، فيما تتحرك روسيا وبيلاروسيا لملء الفراغ في سوق الأسمدة العالمي.

