في مؤشر يعكس تحولا عميقا في بنية التمويل داخل الاقتصاد السعودي، وتجسيدا لمستهدفات رؤية 2030 في تنويع القاعدة الانتاجية، سجلت التسهيلات الائتمانية المقدمة للمنشات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر مستوى قياسيا غير مسبوق بنهاية عام 2025. فقد ضخت المصارف وشركات التمويل نحو 467.7 مليار ريال في عروق هذا القطاع العام الماضي، محققة قفزة سنوية بلغت 33 في المائة، ما يؤكد انتقال هذه المنشات من هامش النشاط الاقتصادي الى قلبه النابض، باعتبارها المحرك الابرز للنمو غير النفطي وخلق الفرص الوظيفية.
واظهرت بيانات النشرة الشهرية للبنك المركزي السعودي ساما، ارتفاع حجم هذه التسهيلات بنسبة 33 في المائة على اساس سنوي، مقارنة بنحو 351.7 مليار ريال في عام 2024.
ويستحوذ القطاع المصرفي على الحصة الاكبر من هذا التمويل، اذ بلغ حجم التسهيلات المقدمة عبر البنوك نحو 446.6 مليار ريال، مسجلا نموا سنويا بنسبة 34 في المائة، في حين بلغ حجم التسهيلات المقدمة من قطاع شركات التمويل نحو 21.1 مليار ريال، بزيادة سنوية قدرها 15.4 في المائة.
وبينت البيانات تباينا في معدلات النمو على مستوى احجام المنشات، حيث ارتفع حجم التسهيلات المقدمة للشركات المتوسطة بنسبة 18 في المائة على اساس سنوي ليصل الى 220.9 مليار ريال، بينما سجلت الشركات الصغيرة نموا بنسبة 34 في المائة لتبلغ 163.5 مليار ريال، في حين قفزت التسهيلات الموجهة للمنشات متناهية الصغر بنسبة 97 في المائة لتصل الى 83.3 مليار ريال، في دلالة على توسع لافت في تمويل هذه الشريحة.
قال الخبير الاقتصادي الدكتور حسين العطاس، ان هذا النمو اللافت مدفوع بعدة عوامل متداخلة، ابرزها وضوح التوجه الاستراتيجي ضمن رؤية 2030 التي وضعت المنشات الصغيرة والمتوسطة في صلب مستهدفات التنويع الاقتصادي، الى جانب الادوار التمكينية المتزايدة للجهات المعنية بتطوير القطاع، وعلى راسها الهيئة العامة للمنشات الصغيرة والمتوسطة (منشات)، التي اسهمت في تعزيز بيئة الاعمال وربط المنشات بمصادر التمويل.
واضاف العطاس في تصريح لـ«الشرق الاوسط» ان بلوغ هذا المستوى من التسهيلات ليس مجرد رقم قياسي، بل يعكس تحولا هيكليا في فلسفة التمويل داخل الاقتصاد السعودي، مشيرا الى ان هناك اربعة محركات رئيسية تقف خلف هذا النمو، تتمثل في وضوح الرؤية الاقتصادية، وتعزيز البيئة التنظيمية، والتوسع في برامج الضمانات الائتمانية، الى جانب تحول نظرة القطاع المصرفي تجاه هذا القطاع.
واوضح ان برنامج «كفالة» يبرز كأحد العوامل المحورية في هذا التحول، اذ اسهم في خفض المخاطر المرتبطة بالاقراض، ما فتح المجال امام البنوك لزيادة انكشافها على قطاع المنشات الصغيرة والمتوسطة، بالتوازي مع تحسن جودة البيانات المالية وتطور ممارسات الحوكمة، وهو ما عزز ثقة الجهات التمويلية في هذا القطاع.
واكد العطاس على صعيد استدامة هذا النمو، ان ما تشهده السوق ليس توسعا ائتمانيا مؤقتا، بل اعادة بناء لدور المنشات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد، متوقعا استمرار النمو على المدى المتوسط، ومع ذلك، اشار الى وجود مجموعة من التحديات التي قد تؤثر على وتيرة هذا التوسع، من بينها ضعف الخبرة الادارية لدى بعض المنشات، واحتمالية تعثرها في حال سوء ادارة التمويل، اضافة الى مخاطر تمركز التمويل في قطاعات محددة دون تنويع كاف، وتاثيرات ارتفاع اسعار الفائدة مستقبلا.
وبين ان الجهات المعنية تدرك هذه التحديات، وهو ما يفسر التركيز المتزايد على رفع مستوى الحوكمة، وتعزيز كفاءة الادارة، وربط التمويل بالاداء التشغيلي الفعلي، بما يضمن توجيه التسهيلات نحو انشطة انتاجية مستدامة.
واشار الى ان اهمية هذا التوسع لا تقتصر على الارقام فحسب، بل تمتد انعكاساته الى الاقتصاد الكلي، حيث يسهم في رفع مساهمة المنشات الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي غير النفطي، الى جانب دورها المحوري في خلق فرص العمل، باعتبارها من اكثر القطاعات كثافة في التوظيف.
وافاد العطاس بان هذا النمو يعزز من تنويع القاعدة الاقتصادية، عبر دعم دخول منشات جديدة الى قطاعات واعدة، تشمل التكنولوجيا والصناعة والخدمات، فضلا عن رفع القيمة المضافة المحلية وتقليل الاعتماد على الواردات او الشركات الكبرى.
وتوقع العطاس بالنظر الى المستقبل، ان يستمر نمو التسهيلات بوتيرة صحية خلال السنوات الثلاث الى الخمس المقبلة، مدعوما بعدة عوامل، ابرزها التوسع في الحلول التمويلية الرقمية، واستمرار التكامل بين القطاعين الحكومي والمصرفي، اضافة الى تحسن نضج السوق وارتفاع جودة المنشات، كما يرجح ان تسهم المشروعات الكبرى والتوسع في الاقتصاد غير النفطي في خلق فرص تمويلية جديدة، تعزز من زخم هذا القطاع، مع انتقال التركيز تدريجيا من حجم التمويل الى جودة اثره الاقتصادي.
وفي السياق ذاته، يرى الرئيس الاول لادارة الاصول في شركة ارباح المالية محمد الفراج، ان هذا التطور لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تكامل بين التوجهات الحكومية الطموحة وسعيها لرفع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الى 35 في المائة، وبين استجابة القطاع المصرفي الذي قاد هذا النمو واستحوذ على الحصة الاكبر من التمويل.
واوضح ان برامج الضمان والتحفيز، وبنك المنشات الصغيرة والمتوسطة، لعبت دورا محوريا في خفض المخاطر الائتمانية وتعزيز شهية الاقراض لدى البنوك.
واضاف ان التحول الرقمي ودخول شركات التقنية المالية شكلا بدورهما نقطة تحول مهمة، من خلال تسهيل الوصول الى التمويل وخفض التكاليف التشغيلية، مما خلق بيئة اكثر مرونة وجاذبية لنمو الاعمال بعيدا عن التعقيدات التقليدية.
ورغم هذه المؤشرات الايجابية، يلفت الفراج النظر الى تحديات قائمة، مبينا ان التوسع السريع في التمويل يتطلب قدرا من الحذر الاستراتيجي، خصوصا فيما يتعلق بمخاطر الائتمان واحتمالات التعثر في ظل تقلبات اسعار الفائدة واشتداد المنافسة في بعض القطاعات، لا سيما التجزئة.
ويرى ان المرحلة المقبلة تستدعي التحول من النمو الكمي القائم على زيادة حجم التمويل، الى النمو النوعي الذي يركز على جودة الائتمان واستدامة المشروعات وقدرتها على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية.
واشار الى ان الاتجاه المستقبلي سيشهد تناميا في دور ادوات التمويل البديلة، مثل راس المال الجريء، بما يخفف الضغط على الميزانيات البنكية، الى جانب توجيه التمويل نحو قطاعات استراتيجية تشمل التقنية والسياحة والصناعة، لضمان تحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.
ولفت الفراج الى ان التطورات المسجلة خلال عام 2026 تعكس بدء جني ثمار هذا التوسع، مع بروز جيل جديد من الشركات سريعة النمو، وارتفاع مساهمة المنشات في الصادرات غير النفطية، الى جانب تنامي استخدام ادوات مثل الصكوك الموجهة للمنشات الصغيرة كخيار تمويلي طويل الاجل بتكلفة مناسبة.
وختم بالقول ان قطاع المنشات الصغيرة والمتوسطة لم يعد قطاعا هامشيا، بل بات محركا رئيسيا للابتكار والنمو في الاقتصاد السعودي، مؤكدا ان الحفاظ على هذا الزخم يتطلب مواصلة تطوير البيئة التنظيمية وتعزيز مرونة آليات السداد، بما يضمن استدامة النمو وتماشيه مع مستهدفات التنمية الاقتصادية على المدى الطويل.

