البقاع– يختبئ خلف كل قطرة عسل يضعها النحال يوسف جاري على مائدة طعامه حكاية صبر تمتد لسبع سنوات، فالنحل لم يعد بالنسبة له مجرد مصدر رزق يعيل أسرته، بل رفيق يومي يشاركه مرارة الحرب والنزوح، وذلك في واقع يهدد هذا القطاع بالزوال.
يروي جاري، الذي اتخذ من تربية النحل مهنة ومصدر دخل وحيد، جانبا من معاناة قطاع إنتاج العسل في لبنان، مؤكدا أن النحل كائن شديد الحساسية لا يحتمل ضجيج الحروب، فالغارات والقصف والحرائق لا تقتصر مخاطرها على التهديد المباشر، بل تمتد لتفكيك هذه "الممالك الصغيرة" وتشتيتها.
ويقول جاري إن "النحل حساس للغاية، فالأصوات القوية والاهتزازات الناتجة عن القصف تدفعه إلى هجر خلاياه، فضلا عن الروائح الناتجة عن الانفجارات التي تفسد البيئة الطبيعية التي يعتمد عليها في التغذية والتكاثر".
الخسائر لم تعد مجرد أرقام، بل تحولت إلى ضربات قاسية تمس مصدر عيش عائلة جاري بشكل مباشر، إذ يروي أنه فقد خلال الربع الأول من عام 2024 نحو 8 خلايا، فيما خسر منذ اندلاع الحرب قرابة 15 خلية إضافية، وذلك نتيجة عدم قدرته على الوصول إلى المناحل الواقعة في مناطق النزاع.
المعاناة لا تقف عند حدود القصف، بل تمتد إلى صعوبة تأمين المستلزمات الأساسية، فالنحل يحتاج إلى رعاية دورية وأدوية خاصة لضمان استمراريته، وهو ما أصبح توفيره مهمة محفوفة بالمخاطر في ظل الظروف الراهنة.
ويضيف جاري أن صعوبة تأمين المواد الأولية والأدوية الضرورية أثرت بشكل مباشر على إنتاج العسل، كما انعكست سلبا على قدرة النحل على التكاثر بشكل طبيعي.
ورغم وعورة الطرق المؤدية إلى المناحل ومخاطر الغارات اليومية، يبقى التمسك بالمهنة خيارا لا بديل عنه، قائلا: "نحاول قدر الإمكان أن نبقى صامدين في هذا القطاع، رغم كل الصعاب التي تحيط بنا"، في تلخيص لحال كثير من المزارعين والنحالين الذين يصارعون للبقاء.
منذ عام 1992، لم تكن علاقة أمين سر نقابة النحالين محمد الحلاني بالنحل مجرد عمل موسمي، بل ارتباط طويل امتد لأكثر من ثلاثة عقود، ويقف اليوم شاهدا على واحدة من أصعب المراحل التي يمر بها هذا القطاع.
ويتحدث الحلاني عن واقع تربية النحل، مؤكدا أنها ليست عملا عابرا، بل تحتاج إلى متابعة أسبوعية دقيقة، موضحا أن منع النحالين من الوصول إلى مناحلهم في الجنوب خلال هذا العام والعام الماضي أدى إلى نتائج كارثية، إذ إن غياب النحال عن خلاياه في ذروة الموسم يدفع النحل إلى الشعور بالإهمال ومن ثم هجر الخلايا.
ويروي الحلاني خسارته الشخصية التي تعكس معاناة مئات النحالين، إذ كانت خلاياه موزعة في جرد العاقورة، لكن الحرب جعلت الوصول إليها شبه مستحيل، ما أدى إلى موت وهجرة عدد كبير منها.
وفي عام 2024 وحده، خسر الحلاني نحو 60 خلية نحل دفعة واحدة، ولم ينج سوى 50 خلية تمكن من نقلها إلى بلدته "الحلانية" في البقاع، في محاولة لإنقاذ ما تبقى من سنوات عمله الطويلة، وسط مخاوف من تكرار الخسارة.
ولا يقتصر حديث الحلاني على تجربته الشخصية، بل ينقل صورة أوسع عن تراجع إنتاجية العسل في لبنان، مؤكدا أن الحرب لم تدمر الخلايا فحسب، بل ضربت الدورة الاقتصادية للقطاع، داعيا وزارة الزراعة إلى التدخل العاجل لتوفير الأدوية والمستلزمات الضرورية لإنقاذ ما تبقى من هذه الثروة.
بين بساتين الحمضيات في الجنوب وبرودة البقاع القاسية، تتجسد معاناة النحال محمد الأيوبي، الذي اضطر إلى نقل خلاياه في رحلة نزوح قسرية فرضتها الحرب.
ويروي الأيوبي أن النحل كان يعيش في بيئة غنية ببساتين الليمون، قبل أن يضطر إلى سحب الخلايا بشكل عاجل، ما أدى إلى خسارة كاملة لموسم الحمضيات، إلى جانب تعرض النحل لصدمة مناخية نتيجة نقله إلى بيئة أكثر برودة، الأمر الذي أثر سلبا على صحته وإنتاجه.
ويصف الأيوبي حالة الذعر التي تصيب النحل جراء القصف، موضحا أن الاهتزازات الناتجة عن الانفجارات تدفع أحيانا نصف الخلية إلى الهروب والضياع في اتجاهات مجهولة، ما يفاقم الخسائر.
كما يحذر الأيوبي من تأثير المواد الكيميائية الناتجة عن الغارات، مشيرا إلى أن أضرارها قد لا تظهر فورا، لكنها تتراكم تدريجيا، مهددة استدامة الخلايا على المدى البعيد.
الخسائر لا تتوقف عند النحل نفسه، بل تمتد إلى مصدر رزق العائلات، إذ يؤكد الأيوبي أن النحال يتحمل خسائر مزدوجة تشمل تراجع الإنتاج وضياع رأس المال المستثمر في المعدات، وذلك في ظل ارتفاع كبير في تكاليف المستلزمات، ما يجعل الاستمرار في هذا القطاع تحديا يوميا.
ويضيف الأيوبي أن النحل يحتاج إلى رعاية أسبوعية دقيقة، وهو ما بات صعبا في ظل المخاطر الأمنية، حيث يتعطل نشاطه بالكامل تحت القصف، وتتحول الخلايا من مصدر للرزق إلى عبء يحاول النحال الحفاظ عليه بأي وسيلة.
تداعيات الحرب لا تقف عند حدود الخسائر الاقتصادية، بل تمتد إلى تهديد التوازن البيئي، إذ يحذر نقيب النحالين ياسر العوطة من "خطر وجودي" يواجه قطاع النحل في لبنان.
ويؤكد العوطة أن تدمير المناحل لا يعني فقط فقدان العسل، بل يشمل تدمير المراعي الطبيعية التي يعتمد عليها النحل، من بساتين الحمضيات إلى النباتات البرية، ما يهدد دورة الحياة البيئية بأكملها.
ويلفت العوطة إلى تغير سلوك النحل تحت تأثير الضوضاء والاهتزازات الناتجة عن القصف، حيث يتحول من كائن منتج إلى كائن عدائي، ما ينعكس سلبا على دوره في تلقيح الأزهار وإنتاج العسل.
كما يشرح العوطة تأثير غياب النحالين عن خلاياهم، ما يؤدي إلى اضطراب داخل الخلايا ودفع النحل إلى "التطريد"، أي مغادرة الصندوق بحثا عن مأوى آخر، وهو ما يمثل خسارة يصعب تعويضها.
ويمتد التحذير ليصل إلى صحة الإنسان، إذ يشير العوطة إلى أن المواد الكيميائية الناتجة عن الغارات قد تلوث العسل، ما يؤثر على جودته وسلامته، ويهدد المستهلكين بشكل مباشر.
بين خسائر يومية متصاعدة وبيئة مهددة، تبدو تربية النحل في لبنان معركة بقاء مفتوحة، يخوضها النحالون في مواجهة حرب لا تكتفي باستهداف البشر، بل تمتد آثارها إلى أصغر الكائنات وأكثرها أهمية في دورة الحياة.







