في ظرف أسبوع واحد، صدمت شركتا ميتا ومايكروسوفت الأسواق بحملة تسريحات ضخمة شملت أكثر من 20 ألف موظف. وأكدت التقارير أن إجمالي الوظائف المفقودة في قطاع التقنية تجاوز 50 ألف وظيفة منذ مطلع هذا العام، مع ارتباط وثيق بين هذه القرارات والاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي.
ويشهد قطاع التقنية العالمي حاليا تحولا جذريا يوصف بأنه "زلزال هيكلي". فبينما كانت الشركات تتسابق لزيادة عدد موظفيها كدليل على النمو، تشير الأحداث المتلاحقة إلى بزوغ عصر جديد يعتمد على الذكاء الاصطناعي كعمود فقري. مما يطرح تساؤلا وجوديا حول ما إذا كان سيعيد الذكاء الاصطناعي توزيع الوظائف في كبرى الشركات العالمية.
في ظل موجة التسريحات، ظهرت أصوات تتهم الذكاء الاصطناعي بأخذ مكان الموظفين الذين تم تسريحهم، في حين أن بعض الشركات تشير إلى أنها تعمل على إعادة هيكلة لبيئتها التوظيفية. وقد أسهم ذلك في زيادة فاتورة الإنفاق على الرواتب في الشركات، حيث لم تتمكن من استرداد المبالغ المنفقة على الخدمات التي يعمل عليها الموظفون المسرحون.
لكن من ناحية أخرى، يرى كثير من المراقبين أن الشركات تقلص عدد موظفيها لا لتخفف من الإنفاق المالي، وإنما لاستثماره في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وفي سوق العمل الحالي، أصبحت النفقات الإجمالية هي المرتفعة وليس فاتورة الرواتب وحدها.
في دراسة أجرتها شركة موشن ريكروتمنت الأمريكية، وجدت أن اعتماد الذكاء الاصطناعي في الشركات الكبرى يبطئ التوظيف، خاصة في وظائف المستوى الابتدائي. بينما يخلق طلبا حادا على متخصصي الذكاء الاصطناعي.
وأكد عدد من الخبراء الذين سبق لهم العمل في مجال الذكاء الاصطناعي أن هذا التحول هو هيكلي وليس جوهري، وبالتالي لا يمكن اعتباره تصحيحا مؤقتا لسوق العمل. حيث أصبح العالم يشهد بداية تحول دائم في كيفية تنظيم العمل وتنفيذه.
وجد استطلاع رأي أجراه موقع ريزوم الأمريكي على ألف مدير توظيف أمريكي أن 55% يتوقعون تسريحات في شركاتهم، وأن 44% يحددون الذكاء الاصطناعي بوصفه المحرك الرئيسي لهذا التسريح.
ولم تكن موجة التسريحات حكرا على الشركات الكبرى، بل ظهرت أيضا في شركات أخرى مثل أوراكل، التي سجلت الرقم الأضخم بتسريح 30 ألف موظف، وبلوك التي قلصت عدد موظفيها بمقدار 4 آلاف، ووايز تك غلوبال التي استغنت عن ألفين، وأتلاسيان التي سرحت 1600 موظف.
وقد أثار الرقم الذي نشرته التقارير عن حجم التسريحات الفضول حول طبيعة الوظائف المتأثرة. حيث استهدف الاستغناء فئات وظيفية محددة أصبحت خوارزميات الذكاء الاصطناعي قادرة على تعويضها، مثل البرمجة وصغار المهندسين، حيث قامت شركة سناب بتسريح ألف موظف، وقدم عدد من الشركات عروض "شراء خدمة طوعية" للموظفين ذوي الأقدمية.
كما بدأت شركة ديزني تسريحات شملت ألف وظيفة عبر قطاعات التسويق، وأشارت تقارير شركة سيلز فورس إلى استبدال وظائف الدعم الفني بأنظمة معتمدة على الوكلاء الرقميين.
تداول رواد القطاع التقني على منصات التواصل الاجتماعي نقاشات حول قرب العالم من "نقطة التحول"، حيث بات من الممكن لشخص واحد مسلح بنماذج لغوية ضخمة ووكلاء أذكياء إدارة شركة قيمتها مليارية. وبالتالي فإن نظام الشركات الكبرى وعدد الموظفين المهول لن يكون ممكنا بعد اليوم.
وترجح التقديرات أن موظف واحد مع أدوات متعددة من الذكاء الاصطناعي قد يتمكن من إتمام وظائف عدة موظفين آخرين. وهذا يعني أن الشركات لن تحتاج للقلق بشأن فاتورة الرواتب الشهرية أو تعويضات التسريح.
وبالتوازي مع موجات التسريح، يبرز تناقض حاد في ميزانيات شركات التقنية. فبينما يُستغنى عن آلاف الموظفين التقليديين، تشتعل حرب مواهب شرسة لجذب نخبة مهندسي وباحثي الذكاء الاصطناعي. وهذا التحول خلق فجوة مهارات هائلة، حيث أصبحت الخبرة في "هندسة الوكلاء الأذكياء" وتطوير النماذج السيادية أغلى سلعة في السوق.
وقد رفعت شركات مثل ميتا توقعات إنفاقها لهذا العام إلى قرابة 169 مليار دولار، ليس لزيادة عدد الموظفين، بل لتغطية التعويضات الفلكية التي تتطلبها هذه المواهب النادرة. مما يؤكد الانتقال من عصر "العمالة الكثيفة" إلى عصر "النخبة التقنية فائقة التكلفة".
بذلك، يرى الخبراء أن العالم اليوم لا يعيش نهاية العمل، بل نهاية العمل التقليدي، فالزلزال الذي يضرب وادي السيليكون يحمل رسالة مفادها أن القوة لم تعد لمن يملك أكبر عدد من الموظفين، بل لمن يمتلك "أذكى" نظام تشغيل بشري رقمي.

