أعلنت الامارات خروجها من منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك" وتحالف "أوبك بلس" اعتبارا من أول مايو المقبل بعد مراجعة استراتيجيتها الإنتاجية. وبما ينسجم مع رؤيتها الاقتصادية طويلة الأجل. وتسارع استثماراتها في الطاقة. وفق ما نقلته وكالة الأنباء الاماراتية.
يرى خبير الاقتصاد الدولي نوار السعدي أن انسحاب الامارات من "أوبك" و"أوبك بلس" يمثل "تحولا استراتيجيا عميقا في بنية سوق النفط العالمي". وليس مجرد قرار تقني مرتبط بالإنتاج. مضيفا أن الخطوة تعكس رغبة أبوظبي في التحرر من قيود الحصص. والتوجه نحو تعظيم طاقتها الإنتاجية بشكل مستقل. خصوصا مع خططها لرفع الإنتاج خلال السنوات المقبلة.
يقول الخبير النفطي مصطفى البزركان إن قرار أبوظبي "اقتصادي سياسي استراتيجي". ويأتي في سياق تشكل نظام طاقة عالمي جديد يضم المنتجين والمستهلكين وشبكات نقل الخام. مضيفا أن الامارات تتحرك للتكيف مع متغيرات هذا النظام الجديد في ظل إعادة رسم خريطة الطاقة العالمية.
تقول منظمة أوبك. عبر موقعها الرسمي على الإنترنت. إن مهمتها هي تنسيق وتوحيد السياسات البترولية للدول الأعضاء والعمل على استقرار أسواق النفط بما يضمن إمدادات منتظمة واقتصادية للمستهلكين وعائدا عادلا للمنتجين والمستثمرين. بينما نشأ تحالف "أوبك بلس" بصيغته الحالية في ديسمبر 2016 بعد تفاهم بين دول "أوبك" ومنتجين من خارجها، أبرزهم روسيا، لإعادة التوازن إلى السوق بعد تراجعات كبيرة في الأسعار وتقليص المخزونات ودعم الاستقرار السعري.
وحسب وكالة رويترز. فإن خروج الامارات "يوجه ضربة كبيرة إلى المجموعة المصدرة للنفط". لكن السوق في هذه المرحلة وحسب المتابعات اليومية لأسعار النفط. تتعامل مع عدة معطيات أكبرها الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز والحصار الأمريكي على الموانئ الايرانية.
اعتبر السعدي أنه لا يمكن فصل القرار عن السياق الجيوسياسي المحيط به. مشيرا إلى أن التوترات المرتبطة بالحرب مع ايران واضطرابات مضيق هرمز كشفت هشاشة التنسيق داخل "أوبك" وأضعفت الثقة بين الأعضاء. وهو ما يفسر، برأيه، أن الأثر السياسي للخطوة قد يكون أكبر من أثرها الفوري على تدفقات النفط.
قال البزركان إن "القرار يأتي أيضا بعد العدوان الايراني على مرافق النفط والغاز والتكرير في دول الخليج العربي ثم إغلاق مضيق هرمز". معتبرا أن هذه التطورات فرضت على الدول المنتجة للنفط والغاز إعادة النظر في تموضعها الاستراتيجي لضمان أسواق مستقرة للنفط الخام والغاز المسال ومصادر الطاقة المتجددة خلال السنوات القليلة المقبلة.
أشارت وكالة الأنباء الاماراتية إلى أنه "على المدى القريب تستمر التقلبات الجيوسياسية من خلال الاضطرابات في الخليج العربي ومضيق هرمز. والتي تؤثر في ديناميكيات العرض. إذ تشير الاتجاهات الأساسية إلى مواصلة نمو الطلب العالمي على الطاقة على المدى المتوسط والبعيد".
توضح بيانات "أوبك" أن متوسط سلة خاماتها زاد في مارس الماضي 48.46 دولارا للبرميل على أساس شهري ليناهز 116.36 دولارا. بينما ارتفع خام برنت القياسي إلى 99.60 دولارا. وصعد خام عمان إلى 124.56 دولارا.
أوقفت 8 دول ضمن تحالف "أوبك بلس" في نوفمبر 2025 زيادات الإنتاج في يناير وفبراير ومارس 2026 بسبب العوامل الموسمية. ثم أعادت في مارس تفعيل زيادة جماعية محدودة قدرها 206 آلاف برميل يوميا لأبريل. قبل أن تعلن زيادة مماثلة لمايو. مع التشديد في كل مرة على حقها في الإبطاء أو الإيقاف أو التراجع إذا اقتضت ظروف السوق ذلك.
حسب تنسيق أوبك بلس، فإن إنتاج الامارات الذي كان مفترضا في مايو هو 3.44 مليون برميل يوميا. بعد أن كان في ابريل 3.42 مليون برميل يوميا. و3.41 مليون برميل يوميا في مارس وفبراير.
تظهر بيانات تقرير "أوبك" الشهري لأبريل أن إنتاج الامارات الفعلي بلغ 3.383 ملايين برميل يوميا في يناير. و3.390 ملايين برميل يوميا في فبراير. قبل أن يهبط إلى 1.908 مليون برميل يوميا في مارس بحسب المصادر الثانوية التي تعتمدها المنظمة.
لكن هذا المستوى من الإنتاج دون القدرة الإنتاجية للا مارات. إذ تشير شركة أدنوك التابعة لحكومة أبوظبي إلى أن قدرتها الإنتاجية الحالية تبلغ 4.85 ملايين برميل يوميا. وتستهدف رفعها إلى 5 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2027.
قال السعدي إن هذه الفجوة بين الإنتاج الفعلي والطاقة الإنتاجية تعزز قراءة القرار باعتباره محاولة للتحرر من سقف الحصص المقررة داخل أوبك. مضيفا أن الامارات كانت تتحدث في السابق عن رفع الإنتاج من نحو 3.4 ملايين برميل يوميا إلى 5 ملايين برميل يوميا كمرحلة أولى. وهو ما يجعل البقاء داخل منظومة حصص صارمة أقل انسجاما مع خططها التوسعية.
يرى الخبير النفطي البزركان أن القرار الاماراتي قد لا يترك أثرا كبيرا على الأسواق حاليا. لكنه سيؤثر لاحقا في خريطة الإمدادات ويعزز توجه الامارات نحو تأمين تدفقات النفط والغاز المسال ضمن بيئة عالمية لن تعود فيها الإمدادات إلى مستويات ما قبل الحرب على ايران.
وأوضح السعدي أن خطوة الامارات ستؤدي اقتصاديا إلى إضعاف تماسك منظمة "أوبك" وتقليل قدرتها على إدارة الأسعار عالميا. ما يعني دخول السوق في مرحلة أكثر تقلبا. مع احتمال زيادة المعروض النفطي مستقبلا خارج إطار التنسيق الجماعي.
لكنه الخبير الاقتصادي العراقي أضاف أن تأثير القرار على المدى القصير قد يبقى محدودا بسبب القيود اللوجستية الحالية في منطقة الخليج. ولا سيما في مضيق هرمز. ما يجعل الأثر الفعلي في المرحلة الراهنة مرتبطا بتطورات الوضع الأمني أكثر من القرار نفسه.
تتوقع "أوبك" نمو الطلب العالمي على النفط بنحو 1.4 مليون برميل يوميا. ما يرفع الطلب على خام دول "إعلان التعاون" إلى 42.9 مليون برميل يوميا هذا العام.
يقصد "إعلان التعاون" الاتفاق التاريخي الذي وقع في ديسمبر 2016. وجرى فيه الإعلان عن تأسيس تحالف "أوبك بلس". ويضم التحالف حاليا 22 دولة.
ختم السعدي بالقول إن سوق النفط العالمية قد تكون أمام "بداية تفكك تدريجي" في نظام إدارة المعروض الذي تقوده "أوبك". مع انتقال محتمل نحو سوق أكثر حرية. لكنها أيضا أكثر اضطرابا وتقلبا في التسعير.

