قالت الباحثة في جامعة غوتنبرغ في السويد ألميرا عثمانوفيتش تونستروم إنها لم تتوقع أن تكشف تجربتها في اختلاق مرض مزيف عمّا هو أخطر من الهدف الذي سعت إليه. وأضافت أن تلك التجربة سلطت الضوء على أخطاء منهجية في عالم البحث العلمي تقوض مصداقيته وتزيد من الشكوك حول انحداره نحو مزيد من التدني.
وأوضحت أن الهدف الأساسي من تجربتها كان اختبار ما إذا كانت نماذج الذكاء الاصطناعي ستبتلع المعلومات المضللة ثم تعيد إنتاجها كنصائح صحية موثوقة. لذلك قامت باختلاق مرض أسمته "بيكسونيمانیا"، موضحة أن صاحبه يعاني من لون جفون يميل للوردي الخفيف مصاحبا لألم أو حكة في العينين، بسبب قضاء وقت طويل أمام الشاشات.
كشفت الباحثة أنها ألبست هذا المرض المزيف ثوبا علميا، حيث كتبت أول منشورات عنه على موقع "ميديوم"، ثم ظهرت دراستان أوليتان حول الحالة على شبكة "ساي بروفايلز" الأكاديمية. وذكرت أن المؤلف الرئيسي كان بحثا وهميا باسم "لازليف إيزغوبليينوفيتش"، وقد جرى إنشاء صورته باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وذكرت ألميرا في تصريحاتها أن حرصها على وضع ثوبا علميا وهميا على هذا المرض تضمن إشارات ودلائل تشير إلى هذه الكذبة بشكل غير مباشر. وأشارت إلى اختيار اسم "نيكسونيمانیا"، الذي يبدو سخيفا، وحرصها على أن يتضمن الاسم كلمة "مانيا"، المستخدمة في الطب النفسي وليس في أمراض العيون.
ولم تكتف بذلك، بل أدرجت أدلة عديدة داخل الأوراق العلمية تشير إلى زيفها، مثل جامعة وهمية باسم "جامعة أستيريا هورايزون" في مدينة خيالية، وشكر لأكاديمية "ستار فليت" من مسلسل خيال علمي، إضافة إلى إشارات ساخرة لمصادر تمويل خيالية. كما تضمنت الأوراق عبارات صريحة مثل: "هذه الورقة بأكملها مختلقة" و"تم اختيار 50 شخصا خياليا للدراسة".
رغم كل هذه الإشارات، بدأت حالة المرض المزيف تظهر بسرعة في إجابات أنظمة الذكاء الاصطناعي. في أبريل، وصفتها بعض الأنظمة بأنها "حالة نادرة ومثيرة"، وربطتها بالتعرض لضوء الشاشات، بل نصحت المستخدمين بمراجعة طبيب عيون.
المفاجأة التي فاقت ما هو مخطط له من تلك التجربة، هي أن صدى هذا المرض المزيف تجاوز الذكاء الاصطناعي إلى الأبحاث المنشورة، حيث استشهدت دراسة حقيقية في مجلة "كيوريوس" بالحالة المزيفة قبل أن تُسحب لاحقا بسبب اكتشاف حقيقة هذا المرض.
أثارت التجربة جدلا كبيرا في أوساط البحث العلمي، حيث اعتبر فريق أنها مفيدة في تقديم درس عملي حول كيفية انتشار المعلومات المضللة، بينما رأى آخرون أنها مضرة لكونها أسهمت في نشر معلومات مضللة أدت إلى "تسميم" أنظمة الذكاء الاصطناعي بمحتوى مزيف. ولم يشفع للباحثة عند هؤلاء الرافضين أن تجربتها كانت بهدف علمي وأنها استشارت خبيرا أخلاقيا قبل تنفيذها.
في خضم الجدل حول أهداف تجربة الباحثة، لم تحظ واقعة نشر بحث علمي أشار في مراجعة لهذا المرض بالكثير من الاهتمام، رغم أن ذلك كان أهم مما سعت الباحثة لإثباته. وأكدت مديرة مركز التميز للخلايا الجذعية والطب التجديدي بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا الدكتورة نجوى البدري أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تستقي معلوماتها من الإنترنت، وليس هناك مفاجأة في استخدامها معلومات عن هذا المرض الوهمي.
وأضافت أن المسؤولية تقع على عاتق الشخص الذي يعتمد على تلك الأنظمة في التحقق من صحة المعلومات. وأشارت إلى أن الأخطر هو تعامل الباحثين مع المعلومات بنفس طريقة تلك الأنظمة، مما يكشف عن تحيز بعضهم في اعتبار ما هو منشور في الدوريات العلمية "نص مقدس".
وأوضحت نجوى أن القواعد العلمية تنص على ضرورة النظر لقيمة الدوريات العلمية ومدى الثقة التي يتمتع بها الباحث في مجتمع البحث العلمي. وعبرت عن أسفها لعدم تطبيق تلك القواعد، مشيرة إلى أن الاستشهاد ببحث لا يزال في مرحلة ما قبل الطباعة يعد أمرا غريبا، لأنه لم يخضع لمراجعة الأقران، وبالتالي لا يمثل قيمة علمية.

