تركت الحرب التي شنتها إدارة دونالد ترمب على إيران الولايات المتحدة في مواجهة صدمة وقود هي الأعنف بين دول مجموعة السبع، حيث تسجل أسعار البنزين والديزل في أميركا ارتفاعات متسارعة تفوق مثيلاتها في الاقتصادات الكبرى مثل بريطانيا وكندا. وقد وجه هذا الارتفاع الحاد ضربة مباشرة للمستهلكين الأميركيين، مما أدى إلى بعثرة جهود ترمب الرامية لكبح جماح التضخم، مما يضع رئاسته أمام اختبار حقيقي قبل انتخابات منتصف المدة الحاسمة.
وأظهرت البيانات الصادرة عن مصرف "جي بي مورغان" أن أسعار البنزين في المحطات الأميركية قفزت بنسبة 42 في المئة منذ الأيام التي سبقت اندلاع الحرب، وفق صحيفة "فاينانشال تايمز". وفي المقارنة، سجلت كندا زيادة بنسبة 24 في المئة، والمملكة المتحدة 19 في المئة، بينما لم تتجاوز الزيادة في إيطاليا 4.6 في المئة.
وذكر المصرف لعملائه أن حفنة من الدول الآسيوية فقط، مثل ميانمار وماليزيا وباكستان، واجهت زيادة أسرع في أسعار البنزين بسبب نقص الإمدادات المادية، مما أدى إلى تحليق أسعار المحطات بأكثر من 50 في المئة. وأوضحت ناتاشا كانيفا، المحللة في المصرف، أن الاضطراب المادي الأكثر مباشرة قد شُعر به في جنوب شرقي آسيا، نظراً لاعتماد المنطقة الكبير على التدفقات عبر الشرق الأوسط. وبشكل غير متوقع، برزت الولايات المتحدة لتكون ثاني أكثر المناطق تضرراً من حيث الأسعار.
وقفز متوسط أسعار البنزين بمقدار 9 سنتات ليصل إلى 4.39 دولار للغالون، وهو الأعلى منذ عام 2022 في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، ومرتفعاً من 2.98 دولار ما قبل الحرب. وفي كاليفورنيا، يدفع السائقون 6.06 دولار للغالون. وتأتي هذه الطفرة قبل أسابيع من بدء موسم القيادة الصيفي الذي ينطلق في "يوم الذكرى".
ورغم الارتفاع الأخير، لا يزال معظم المستهلكين الأميركيين يدفعون أقل من نظرائهم في دول مجموعة السبع، حيث بلغ متوسط سعر لتر البنزين في أميركا 1.17 دولار، بينما يدفع الكنديون 1.43 دولار، والبريطانيون 2.12 دولار.
ويعزو المحللون هذا الارتفاع القياسي في السوق الأميركية إلى طبيعة الضرائب المنخفضة على الوقود مقارنة بالدول الأخرى. ففي حين تفرض الحكومات في أوروبا وكندا ضرائب مرتفعة تمتص جزءاً من تقلبات السوق، تنعكس تحركات أسعار الخام مباشرة وبقوة على المستهلك الأميركي. وبينما لجأت حكومات عالمية لتقديم إعانات أو خفض الضرائب لتخفيف الصدمة، تُرِك المستهلك في الولايات المتحدة وحيداً في مواجهة التكاليف المتصاعدة.
وعلى الصعيد السياسي، يبدو أن قرار ترمب مهاجمة إيران قد أتى بنتائج عكسية لوعوده الانتخابية. وكان ترمب تعهد في حملته الانتخابية بتحرير شركات النفط من القيود لتمكينها من "الحفر يا عزيزي، الحفر"، ودفع الأسعار إلى أقل من دولارين للغالون. إلا أن الحرب تسببت في صدمة طاقة عالمية دفعت الأسعار لمستويات قياسية، ويتزامن هذا مع تراجع شعبية الرئيس إلى أدنى مستوياتها.
وقالت شركتا "إكسون موبيل" و"شيفرون" إنهما ستمتنعان عن زيادة الإنتاج بما يتجاوز خططهما الحالية رغم ارتفاع الأسعار. كما ترتفع أسعار المنتجات المكررة الأخرى في أميركا بشكل أسرع من معظم دول مجموعة السبع وآسيا. فقد قفز سعر الديزل، عصب الصناعة الأميركية، بنسبة 48 في المئة ليصل إلى 5.57 دولار، وهو الآن على بُعد 24 سنتاً فقط من مستواه القياسي التاريخي.
ونقلت "فاينانشال تايمز" عن توم كلوزا، كبير مستشاري الطاقة في "غوف أويل"، أن الصناعة أصبحت متوترة بشأن كيفية تأثير هذه الأسعار على الطلب، مشيراً إلى أن أحد أكبر المخاوف هو احتمال وصول أسعار الديزل إلى 10 دولارات، وهو ما لا تستطيع معدات ومضخات التوزيع التعامل معه. وأضاف أن إدارة ترمب ستواجه ضغوطاً لحظر صادرات المنتجات إذا ظلت الأسعار مرتفعة.
من جانبه، قال ترمب إن ارتفاع الأسعار مؤقت، مشيداً بتجارة التصدير الأميركية المزدهرة. وأكد أن "عندما تنتهي هذه الحرب، سيسقط البنزين والنفط وكل شيء، لدينا إنتاج نفط الآن أكثر من أي وقت في التاريخ".
وكان ترمب التقى منذ أيام كبار المسؤولين التنفيذيين لشركات النفط والغاز، لمناقشة تداعيات الحرب واحتمالية استمرار الحصار المفروض على إيران لأشهر طويلة. الاجتماع الذي حضره وزير الخزانة ونائب الرئيس، ركز على كيفية الحفاظ على الحصار، مع محاولة تقليل الضرر الواقع على المستهلك الأميركي.
ورغم أن البيت الأبيض اتخذ خطوات تقنية لمحاولة كبح الأسعار، فإن المحللين يجمعون على أن هذه الحلول تظل محدودة الأثر أمام صدمة السوق العالمية، خاصة مع الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من النفط المنقول بحراً في العالم.

