بعد 8 سنوات صاخبة قضاها على رأس أقوى بنك مركزي في العالم، يصل جيروم باول إلى محطة النهاية بوصفه رئيساً للاحتياطي الفيدرالي. قال باول، الذي عيّنه ترمب في ولايته الأولى، إنه قاد الاقتصاد الأميركي عبر نفق الجائحة المظلم، قبل أن يجد نفسه في مواجهة شرسة مع أسوأ موجة تضخم منذ 4 عقود. بينما يستعد لتسليم مطرقة الرئاسة، يرفض باول مغادرة المشهد بالكامل، معلناً بقاءه في مجلس المحافظين حتى عام 2028. موضحاً أن هذه الخطوة تهدف لحماية استقلالية المؤسسة أمام ضغوط البيت الأبيض والبيانات الاقتصادية المتفجرة.
في قرار كسر به تقليداً لم يشهده الاحتياطي الفيدرالي منذ عهد مارينر إيكلز، قرر باول استغلال حقه القانوني بالبقاء عضواً في مجلس المحافظين. وأكد بلهجة حاسمة: "لن أغادر المجلس حتى يُغلق هذا الملف بشفافية تامة ونهاية حاسمة". إلا أن الدوافع الحقيقية تتجاوز الإجراءات الإدارية؛ فبتمترسه داخل المجلس، يحرم باول الرئيس دونالد ترمب من فرصة ترشيح عضو جديد موالٍ له فوراً، مما يحد من قدرة الإدارة على إعادة تشكيل هوية المجلس وتوجيهه نحو خفض الفائدة بضغوط سياسية.
وقد جاء الرد من الإدارة على قرار باول لاذعاً؛ حيث وصف وزير الخزانة، سكوت بيسنت، الخطوة بأنها "انتهاك صارخ لجميع أعراف الاحتياطي الفيدرالي". بينما سخر ترمب من باول، قائلاً إنه بقي لأنه "لا يستطيع العثور على وظيفة في مكان آخر". إلا أن هذا الهجوم يبرز قلق الإدارة من وجود باول بوصفه "عقبة" أمام تنفيذ أجندة اقتصادية قد تضحي باستقلالية القرار النقدي مقابل مكاسب سياسية سريعة.
يرى خبراء القانون الدستوري أن بقاء باول يمنحه "حصانة إجرائية" و"هالة مؤسسية" تجعل من محاولات إقالته "لسبب"، معركة قانونية خاسرة أو شديدة التكلفة على الإدارة. وتكتسب هذه الحماية أهمية قصوى في وقت تترقب فيه الأوساط القانونية حكم المحكمة العليا في قضية المحافظة ليزا كوك، التي ستحدد مدى قدرة الرئيس على تقويض استقلالية أعضاء المجلس. وبعبارة أخرى، اختار باول أن يقاتل من داخل "الحصن" لا من خارجه لمواجهة ما يصفه بـ"الخطر الوجودي" الذي يهدد استقلالية القرار النقدي.
ومع اقتراب الموعد المرتقب لتثبيت كيفن وارش رئيساً جديداً للاحتياطي الفيدرالي، يسود اعتقاد لدى المحللين بأن السياسة النقدية لن تشهد انقلاباً فورياً؛ إذ يبرز وجود باول في مقعد "المحافظين" بوصفه صمام أمان يضمن انتقالاً سلساً للسلطة. وفي اجتماع يونيو المقبل، سيكون أمامنا مشهد فريد: وارش يمسك بمطرقة الرئاسة، ويضع الأجندة، ويدير دفة النقاش، بينما يحتفظ باول بحقه في التصويت، مما يخلق توازناً نادراً بين طموح القيادة الجديدة وإرث الحقبة السابقة.
تبعث هذه "القيادة المزدوجة" برسالة استقرار حاسمة إلى الأسواق المالية؛ فبقاء باول يمنح المستثمرين ثقة في أن النهج المؤسسي للبنك تجاه مخاطر التضخم سيظل قائماً على مبدأ "الاستمرارية". وفي محاولة لتبديد الشكوك حول إمكانية خضوعه للضغوط السياسية، حرص وارش خلال كلمته أمام اللجنة المصرفية بمجلس الشيوخ على رسم خطوط فاصلة واضحة، مؤكداً التزامه بكونه "فاعلاً مستقلاً". حيث صرح بحزم: "أنا ملتزم بضمان بقاء مسار السياسة النقدية مستقلاً تماماً عن أي ضغوط أو إملاءات خارجية".
كذلك، يكتسب بقاء باول أهمية استراتيجية مع ترقب بيانات التضخم؛ حيث تشير التوقعات إلى ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.6 في المائة على أساس شهري. ويعدّ وجود باول في هذه المرحلة بمثابة "صمام أمان" ضد أي رضوخ للضغوط السياسية المطالبة بخفض الفائدة. هذا الواقع الرقمي سيجعل الأسواق تراقب بحذر؛ فالمستثمرون يفضلون السياسات التي تقودها "البيانات الجافة" لا "الإملاءات الخارجية".
يضع بقاء باول الأسواق أمام مفارقة شائكة؛ فمن جهة، يمثل رحيله المستقبلي "مخاطرة مؤسسية"، لأنه سيمنح البيت الأبيض مقعداً شاغراً يعيد رسم الخريطة الفكرية للمجلس. ومن جهة أخرى، يرى المحللون أن لحظة تقاعد باول ستكون هي المقياس الحقيقي لقياس سلامة المؤسسة؛ فباول لن يترجل عن صهوة "الاحتياطي الفيدرالي" إلا إذا اطمأن إلى أن عاصفة التسييس قد انقشعت. وحتى تلك اللحظة، يبقى الاحتياطي الفيدرالي في حالة "استقرار مع وقف التنفيذ" بانتظار ما ستسفر عنه مواجهة الإرادات بين الحصن والبيت الأبيض.

