في ظل احتدام المنافسة بين الصين والولايات المتحدة على الأرض، تدور معركة أخرى بينهما في الفضاء، حيث أطلقت الصين رسميا ما بات يعرف بـ "مدينة الأقمار الصناعية". وهو نظام بيئي متكامل يجمع بين التصنيع الضخم والإطلاق المتسارع لشبكة "ألف شراع"، والمعروفة تقنيا بـ جي 60 ستارلينك.
ولا يهدف هذا المشروع فقط لتوفير الإنترنت، بل لانتزاع "السيادة المدارية" من شركة سبيس إكس الأمريكية التي كانت تنفرد بريادة مدار الأرض المنخفض، في وقت بات فيه الفضاء الميدان الأول للصراع الجيوسياسي.
وفقا لبيانات مركز هاينان للإطلاق التجاري الصيني، نجحت الصين في 10 أبريل في إطلاق الدفعة السابعة من أقمار "ألف شراع" بنجاح، وذلك ضمن جدول زمني دقيق تلتزم فيه.
وتوضح البيانات أن الهدف الأول الذي كان مرسوما للمشروع هو إطلاق 648 قمرا صناعيا بنهاية عام 2025، و1296 قمرا في المرحلة الأولى من بناء الكوكبة، و15 ألف قمر بحلول عام 2030، وهو ما يمثل نحو ثلث ما تسعى إليه سبيس إكس في مشروعها.
لكن، وبحسب التقارير التقنية، فإن الأرقام وحدها لا تحكي القصة الحقيقية، بل تكمن في السرعة. فبينما استغرقت ستارلينك سنوات لتنضج عملياتها التشغيلية، تسير الصين بوتيرة مرعبة نحو تحقيق تغطية إقليمية فعلية خلال بضعة أشهر فحسب.
تكمن قوة مشروع "ألف شراع" في قدرته التصنيعية الفريدة. حيث تشير تقارير صحيفة "بيجينغ ديلي" الصينية إلى أن الصين تستعد لاستكمال "مدينة الأقمار الصناعية" في النصف الثاني من العام، وهي منطقة اقتصادية مخصصة حصريا للصناعة الفضائية التجارية، حيث تُنتَج فيها الألواح المسطحة بوتيرة تضاهي إنتاج الهواتف الذكية.
وبحسب وثائق مجلة "آي إي إي إي سبيكتروم" الأمريكية، فقد بدأت شركة سبيس سيل إنتاج أولى أقمارها التشغيلية بنهاية عام 2023 عبر خطوط إنتاج شبه أوتوماتيكية. وهذا الزخم يعزز ممر "جي 60" الصناعي الذي يربط 9 مدن كبرى، مما يوفر غطاء ماليا مستداما يتجاوز تقلبات الأرباح الفورية.
تتجاوز طموحات بكين مجرد توفير الاتصال، حيث تركز على 3 محاور استراتيجية وثقتها التقارير التقنية: النطاقات الترددية المتقدمة: تعمل الأقمار في نطاقات كيه يو وكيو وفي (V) لضمان سعات بيانات هائلة وتداخل أقل.
سحابة الفضاء (Space Cloud): كشفت تصريحات مسؤول في شركة فيوتشر إيروسبيس الصينية أن هذا العام يمثل عام دمج قوة الحوسبة بالذكاء الاصطناعي داخل الأقمار مباشرة، مما يقلل زمن الاستجابة ويمنح الشبكة استقلالية عن المحطات الأرضية.
التكامل مع 6 جي (6G): تؤكد تقارير صحيفة بيجينغ ديلي أن الأولوية في هذا العام هي دمج الفضاء والجو والبحر في شبكة واحدة، تتيح للهواتف العادية الاتصال بالأقمار مباشرة دون أجهزة استقبال خاصة.
وفي تحول استراتيجي مهم، وقعت شركة الطيران الأوروبية "إيرباص" مذكرة تفاهم مع سبيس سيل لدمج منظومة الاتصالات الصينية في حلول الترفيه الجوي.
وتؤكد مؤسسة أفييشن ويك الأمريكية أن هذه الشراكة هي الأبرز دوليا للمشروع، فيما تقول شركة أبكس أفييشن التايوانية إن إيرباص تسعى لتنويع خياراتها المدارية بعيدا عن الاحتكار الأمريكي.
من ناحية أخرى يرى الخبراء أن فواتير بيئية باهظة تبرز وراء هذا النجاح. فقد وثقت القيادة الفضائية الأمريكية أن إطلاق صاروخ "لونغ مارش 6 إيه" تسبب في تفكك المرحلة العليا وتوليد أكثر من 300 قطعة حطام تهدد سلامة المدار، وهي ما تعرف بـ"متلازمة كيسلر" التي تهدد سلامة جميع الأقمار الصناعية الأخرى.
وإلى جانب خطر التصادم، يبرز تحدي "التلوث الضوئي"، حيث تشير التقارير وجمعيات الفلك الدولية إلى أن أقمار "ألف شراع" تتميز بدرجة سطوع عالية تترك آثارا بصرية مدمرة على الصور الفلكية البحثية، مما يعيق قدرة المراصد الأرضية على دراسة الفضاء السحيق.
بحلول منتصف هذا العام، سيصبح مشروع "ألف شراع" الركيزة الأساسية لـ"طريق الحرير الرقمي"، حيث تؤكد تقارير وكالة شينخوا الصينية أن هذه الكوكبات ستوفر بنية تحتية رقمية موثوقة للدول المشاركة في مبادرة الحزام والطريق، مما يساعد على ردم الفجوة الرقمية العالمية.
كما يقول المراقبون إن "مدينة الأقمار الصناعية" الصينية ليست مجرد مشروع تقني محلي، بل هي إعلان صيني عن نهاية عصر القطب الواحد في إنترنت الفضاء. ومع وصول حجم صناعة الفضاء التجارية في الصين إلى 2.5 تريليون يوان هذا العام، فإن المواجهة بين "ألف شراع" و"ستارلينك" ستحدد من يملك مفاتيح الإنترنت العالمي في العقد القادم.

