لم يكن عبور الحدود بالنسبة لمئات الايرانيين من سكان خرمشهر وعبادان ومناطق الاهواز مجرد رحلة تجارية عابرة، بل كان خيارا اضطراريا فرضته الحرب الطاحنة على بلادهم والتضخم الجامح الذي جعل من تامين لقمة العيش داخل بلادهم مهمة شبه مستحيلة.
وتحت وطاة هذه الظروف القاسية، شد عدد من الباعة الايرانيين رحالهم نحو سوق "العشار" التاريخي في مدينة البصرة العراقية، محولين أرصفتها إلى ملاذ أخير يوفر لهم الدنانير اللازمة لسد رمق أطفالهم الذين ينتظرون عودتهم خلف الحدود.
يراقب الشاب مرتضى محمد القادم من الجانب الايراني بضاعته البسيطة المكونة من الفطر وكراتين البيض.
وخلال لقاء مع الجزيرة، ذكر مرتضى أنه لم يعد يجد عملا في ايران، فالاوضاع ضاقت عليه تماما، واضاف "جئنا الى البصرة ليس ترفا، بل لاننا نحتاج لكسب رزقنا باي وسيلة لنعود الى عائلاتنا بما يبقيهم على قيد الحياة".
هذا الهروب اليومي من الغلاء جعل من مدينة البصرة رئة يتنفس من خلالها سكان المناطق الحدودية الايرانية.
يصف بائع اخر رحلة تنقله بين البلدين؛ فيقول رضا باقر إنه حين تشتعل الاسعار في الاسواق الايرانية، يمنحه "سوق الجمعة" في البصرة القديمة فرصة لعرض سلعه، والحصول على عائد مادي لا يمكنه تحصيله في مدينته.
بين ثنايا الازدحام، تحكي السيدة ندى سعدي وهي بائعة جاءت من مدينة الاهواز الساحلية وتفترش الارض بعبوات من مساحيق التنظيف ومعجون الاسنان، وتتحدث بمرارة عن واقعها: "الظروف المعيشية في ايران باتت تفوق طاقتنا كبشر".
وتكمل أنها جاءت إلى سوق العشار لتؤمن دخلا يعينها على مواجهة أعباء الحياة الثقيلة وسد جوع أطفالها وعائلتها، وعلى الرغم من المنافسة والازدحام، يسود نوع من التكافل الانساني العابر للسياسة والحدود.
أما البائع كريم جبار الذي يتردد على المدينة كل بضعة أيام فيرى في نشاطه خدمة متبادلة مع أهالي البصرة الذين يقابلونهم بروح الاخوة، مثمنا تسامح السكان وحفاوة استقبالهم التي تذلل مصاعب الازدحام الذي تسببه بسطاتهم على الارصفة.







