في ظل اضطرابات غير مسبوقة تشهدها طرق التجارة العالمية، عادت قناة بنما إلى واجهة الأحداث بوصفها شريانا بديلا يزداد أهمية يوما بعد يوم. مع تسجيل ازدحام قياسي وارتفاع حاد في رسوم العبور عقب تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتعطل إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد.
القناة التي تعد ثاني أهم ممر مائي اصطناعي بعد قناة السويس، تواجه اليوم ضغطا متصاعدا مع تحولها إلى خيار رئيسي أمام شركات الشحن، خاصة الآسيوية، لنقل النفط والغاز والبضائع بين المحيطين الأطلسي والهادئ في ظل الأزمة الجيوسياسية المتفاقمة.
تعود جذور فكرة القناة إلى القرن السادس عشر، حين لاحظ المستكشف الإسباني فاسكو نونييث ضيق المسافة الفاصلة بين المحيطين. قبل أن يعيد طرحها لاحقا الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون في القرن الثامن عشر دون أن ترى النور آنذاك.
المحاولة الجادة الأولى جاءت على يد الفرنسيين، مستفيدين من نجاحهم في بناء قناة السويس، لكن المشروع تعثر بسبب التحديات الطبيعية والأمراض الاستوائية، ليتم التخلي عنه في نهاية المطاف.
لاحقا، تولت الولايات المتحدة المشروع مطلع القرن العشرين، وأنجزته بعد عقد من العمل الشاق بتكلفة بلغت 380 مليون دولار وبمشاركة عشرات آلاف العمال، توفي منهم نحو 20 ألفا قبل افتتاح القناة رسميا.
ظلت القناة تحت السيطرة الأمريكية لعقود، قبل أن تنتقل إدارتها تدريجيا إلى بنما بموجب اتفاقيات وقعها الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ونظيره البنمي عمر توريخوس وصولا إلى تسلم بنما السيطرة الكاملة.
وفي تطور حديث، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الجدل حول القناة، ملوحا بإمكانية استعادة السيطرة الأمريكية، وهو ما قوبل برفض قاطع من الرئيس البنمي خوسيه راؤول مولينو الذي أكد أن سيادة بلاده على القناة غير قابلة للتفاوض.
تمثل القناة إنجازا هندسيا فريدا؛ إذ اختصرت مسافة الإبحار حول القارة الأمريكية من 21 ألف كيلومتر إلى نحو 8 آلاف فقط، وتربط بين أكثر من 160 دولة و1700 ميناء حول العالم، مع مرور نحو 6% من حجم التجارة العالمية عبرها سنويا.
تعتمد القناة على نظام الأهوسة المائية التي ترفع السفن إلى ارتفاع 26 مترا فوق سطح البحر لعبور بحيرة غاتون الاصطناعية قبل خفضها مجددا في عملية معقدة تستهلك كميات ضخمة من المياه وتستغرق ما بين 8 و10 ساعات لكل رحلة. وقد سمحت توسعة عام 2016 بمرور سفن عملاقة تفوق بثلاثة أضعاف ما كان ممكنا سابقا.
مع تصاعد الأزمة في الشرق الأوسط، تحولت القناة إلى مسار بديل رئيسي، حيث سجلت عبور 6288 سفينة بزيادة 224% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، كما تضاعفت رسوم العبور لأكثر من مرتين ونصف في ظل طلب متزايد من شركات الشحن، خصوصا لنقل الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة إلى آسيا.
قال رئيس القناة ريكورتي فاسكيز إن الممر يعمل بأقصى طاقته، مع عبور يومي يتراوح بين 36 و38 سفينة، في وقت تستعد فيه الإدارة لزيادة عدد ناقلات الغاز المسموح بمرورها يوميا بعد أن كان محدودا سابقا.
وفي ظل هذا الضغط، لجأت بعض الشركات إلى دفع مبالغ استثنائية للحصول على أولوية العبور، وصلت إلى نحو 4 ملايين دولار، بينما ارتفع متوسط تكلفة عبور السفينة الواحدة من 140 ألف دولار إلى 385 ألف دولار خلال شهرين فقط، وفق تقارير إعلامية.
داخليا، شكلت القناة ركيزة اقتصادية لبنما بإيرادات بلغت 5.7 مليار دولار، لكنها اليوم تواجه اختبارا غير مسبوق لقدرتها الاستيعابية. أما عالميا، فقد باتت القناة تمثل خط الدفاع الأخير لاستمرار تدفق التجارة في وقت تعيد فيه الأزمات الجيوسياسية رسم خريطة النقل البحري وطرق الطاقة حول العالم.

